حين يحاكم الضمير قبل القلم… في أي صف يقف الإعلامي؟
عبدالله خباز –
هناك سؤال ينبغي أن يطرحه كل من اختار أن يحمل القلم أو الكاميرا أو الميكروفون، قبل أن يطرحه عليه الآخرون: في أي صف أقف؟ هل أنا في صف الحقيقة أم في صف المصلحة؟ هل أقف إلى جانب المواطن الذي ينتظر من الإعلام أن يكون صوته، أم إلى جانب من يملك النفوذ أو المال؟ و هل أصبحت رسالتي وسيلة لخدمة المجتمع، أم مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية؟
إن قيمة الإعلام لا تقاس بعدد الأخبار المنشورة و لا بعدد المتابعين، و إنما تقاس بمدى وفائه للحقيقة، و احترامه لذكاء الجمهور، و قدرته على الدفاع عن القضايا العادلة دون تحيز أو إبتزاز أو تضليل. فالإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة، و مسؤولية قبل أن يكون امتيازا، و أمانة قبل أن يكون مصدرا للربح أو الشهرة.
و لا يمكن إنكار أن الساحة الإعلامية تزخر بكفاءات وطنية مشهود لها بالنزاهة و المهنية، قدمت تضحيات كبيرة من أجل إيصال الحقيقة و خدمة الصالح العام، و ما تزال تؤمن بأن الصحفي الحقيقي لا يبيع ضميره، و لا يجعل قلمه رهينة لأي مصلحة ضيقة. و في المقابل، تبقى هناك ممارسات فردية محدودة تبتعد عن روح المهنة، عندما يصبح الهم الأول هو تحقيق المنفعة الشخصية، أو البحث عن الإمتيازات، أو توظيف المنابر الإعلامية لخدمة مصالح لا علاقة لها بحق المجتمع في المعرفة.
إن أخطر ما قد يواجه أي إعلامي ليس النقد و لا قلة الإمكانيات، بل أن يفقد القدرة على مساءلة نفسه. فحين يغيب صوت الضمير، يصبح من السهل تبرير الإنحياز، و تزيين الخطأ، و تقديم المصالح الخاصة على المصلحة العامة. أما حين يبقى الضمير حاضرا، فإنه يتحول إلى بوصلة لا تسمح للقلم بأن ينحرف عن رسالته مهما كانت الإغراءات أو الضغوط.
إن الدفاع عن حقوق المواطنين لا يكون بالشعارات، بل بالتحري، و الدقة، و الإنصاف، و إتاحة الفرصة لجميع الأطراف، و احترام قرينة البراءة، و الإبتعاد عن التشهير و الإثارة غير المبررة. كما أن خدمة الوطن لا تتحقق بتلميع الواقع أو تضخيم السلبيات، و إنما بنقل الحقيقة كما هي، و الإسهام في طرح الحلول، و إبراز النماذج الإيجابية، و تسليط الضوء على الإختلالات بروح الإصلاح و المسؤولية.
فالوطن لا يحتاج إلى إعلام يصفق لكل شيء، و لا إلى إعلام يهدم كل شيء، بل يحتاج إلى إعلام مهني، مستقل، و متزن، يراقب، و يناقش، و ينتقد عندما يستوجب الأمر، و يثمن الإنجازات عندما تستحق التثمين، واضعا المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
و لعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإعلامي مع نهاية كل يوم، ليس أن يحصي عدد المشاهدات أو الإعجابات، بل أن يسأل نفسه سؤالا بسيطا و عميقا في آن واحد: هل كنت اليوم منصفا؟ هل دافعت عن الحقيقة كما ينبغي؟ هل خدم عملي المواطن و الوطن، أم خدم مصلحة عابرة؟
فهذا السؤال وحده قد يكون الفارق بين إعلامي يؤدي رسالة نبيلة، و آخر يفقد تدريجيا ثقة الناس. لأن المصداقية لا تشترى، و الثقة لا تفرض، و الضمير لا يعرف المساومة.
و في النهاية، يبقى الصف الحقيقي الذي ينبغي أن ينتمي إليه كل إعلامي هو صف الحقيقة، و سيادة القانون، و احترام كرامة الإنسان، و خدمة الوطن بإخلاص. فكل المناصب تزول، و كل المصالح تنتهي، أما الكلمة الصادقة فتبقى شاهدا لصاحبها… أو عليه.




