زاوية الرأي : حين يغادر المسؤول… وتبقى الأسئلة
زاوية الرأي : حين يغادر المسؤول… وتبقى الأسئلة
محمد فتاح
في السياسة، لا تقاس المسؤولية بعدد الخطب والتصريحات، بل بالتوقيت أيضاً. فهناك لحظات تحتاج فيها الأوطان إلى حضور المسؤول أكثر من أي وقت آخر، لأن رمزية البقاء وسط الناس لا تقل أهمية عن القرارات نفسها.
عندما يعيش البلد نقاشا محتدما أو حالة من التوتر الاجتماعي أو السياسي، ينتظر المواطن من مسؤوليه أن يكونوا في الواجهة، يتابعون، يطمئنون، ويبعثون برسائل تؤكد أن مؤسسات الدولة حاضرة وقريبة من نبض الشارع. أما حين تتزامن الإجازات مع تلك اللحظات الحساسة، فإن الباب يفتح أمام أسئلة مشروعة، حتى وإن كانت العطلة حقا مكفولا.
المواطن لا يحاسب المسؤول على وجهة سفره، بل على الرسالة التي يتركها خلفه. ففي السياسة، الصورة قد تكون أبلغ من البيان، والتوقيت قد يختصر مواقف كاملة. لذلك، فإن مغادرة المسؤول في ظرف دقيق قد تُقرأ، بحق أو بغير حق، على أنها ابتعاد عن مسؤولية تنتظر الحضور أكثر مما تنتظر التبرير.
إن الثقة لا تبنى فقط بالبرامج والوعود، بل أيضا بالإحساس بأن من يدير الشأن العام يعيش هموم المواطنين في لحظاتها، لا من بعيد، بل من قلب الحدث. فالمسؤولية ليست وظيفة تنتهي مع بداية العطلة، بل التزام أخلاقي وسياسي يفرض أن يكون المسؤول حيث يحتاجه الوطن قبل أن يكون حيث يرغب في قضاء إجازته.
قد يكون السفر حقا شخصيا، لكن المسؤولية العامة تظل لها حسابات مختلفة. وفي عالم السياسة، لا يحاكم الرأي العام النوايا، بل يقرأ الرموز، ويقارن بين الخطاب والممارسة، ويصدر أحكامه انطلاقا مما يراه لا مما يُقال له.
وهنا يكمن جوهر المسألة: فالأوطان، في لحظات الاحتقان، لا تحتاج إلى مسؤولين غائبين، بل إلى مسؤولين يبعث حضورهم قبل كلماتهم رسالة طمأنة وثقة.




