عاجل
أقلام حرة

ابك يا وطني… حين يصبح البحر آخر حلم لأبنائك

lamarocaine | | قراءة 4 د | 323 مشاهدة

ابك يا وطني… حين يصبح البحر آخر حلم لأبنائك

عبدالله خباز

ليس أشد إيلاما على الأوطان من أن ترى أبناءها يركضون نحو المجهول، يحملون في حقائبهم القليلة ما تبقى من أحلام، و يتركون خلفهم ذكريات الطفولة، و دفء العائلة، و رائحة الأرض التي ولدوا عليها. حين يصبح البحر أكثر جاذبية من اليابسة، و حين تتحول الأمواج إلى عنوان للأمل رغم أنها كثيرا ما تخفي بين أعماقها الموت، فإن الأمر لم يعد مجرد خبر عابر، بل جرس إنذار يستحق أن يسمع جيدا.

لقد عادت محاولات الهجرة غير النظامية لتتصدر المشهد من جديد، بعد أن شهدت مناطق مختلفة محاولات متكررة لعبور الحدود نحو الضفة الأخرى، في مشاهد تختلط فيها مشاعر اليأس بالأمل، و الخوف بالإصرار. و بين من ينجح في الوصول، و من يعاد، و من يختفي في عرض البحر، يبقى السؤال الأكبر: ماذا يحدث حتى يختار شاب في مقتبل العمر أن يغامر بكل شيء؟

إن الهجرة في حد ذاتها ليست جريمة، فقد كانت عبر التاريخ وسيلة للبحث عن العلم و العمل و الإستقرار. لكن حين تتحول إلى هجرة غير نظامية، محفوفة بالمخاطر، تديرها شبكات الإتجار بالبشر، فإنها تصبح مأساة إنسانية قبل أن تكون قضية أمنية أو سياسية.

وراء كل شاب يحاول العبور حكاية مختلفة. هناك من أنهكه البحث الطويل عن فرصة عمل تحفظ كرامته، و هناك من أثقلته الظروف الإجتماعية، و من ضاقت به آفاق المستقبل، و من وقع أسير الصورة الوردية التي ترسم له عن الحياة في الخارج عبر وسائل التواصل الإجتماعي، حيث تعرض النجاحات، بينما تخفى المعاناة، و تنسى قصص الفشل، و لا تصل إلى الناس إلا صور السيارات الفاخرة و البيوت الجميلة، و كأن الطريق إليها مفروش بالورود.

لكن الحقيقة أكثر تعقيدا بكثير. فكم من مهاجر غير نظامي إنتهى به المطاف في ظروف قاسية، أو وقع ضحية للإستغلال، أو عاش مطاردا بالخوف، بعيدا عن أهله و وطنه، و كم من أم ما زالت تنتظر اتصالا لن يأتي، و كم من أب ما زال يحدق في البحر لعل الأمواج تعيد إليه فلذة كبده.

و لا يمكن إنكار أن البطالة، و صعوبة الولوج إلى فرص الشغل، و تحديات التنمية في بعض المناطق، عوامل تدفع بعض الشباب إلى الإعتقاد بأن مستقبلهم يوجد خارج حدود الوطن. غير أن اختزال الظاهرة في الجانب الإقتصادي وحده سيكون تبسيطا مخلا، فهناك أيضا عوامل نفسية و ثقافية و إعلامية، حيث ساهمت بعض المنصات الرقمية في صناعة حلم الهجرة السهلة، و أعطت إنطباعا مضللا بأن النجاح لا يمكن أن يتحقق إلا خارج البلاد.

و في المقابل، لا ينبغي أن تتحول هذه الظاهرة إلى مناسبة لتوجيه اللوم للشباب أو اتهامهم بقلة الوطنية، لأن من يقرر المجازفة بحياته لا يفعل ذلك غالبا بدافع المغامرة، بل بدافع البحث عن فرصة يعتقد أنها لم تتح له. هؤلاء يحتاجون إلى الإنصات أكثر من الإدانة، و إلى فتح أبواب الأمل بدل الإكتفاء بإغلاق أبواب الهجرة.

إن مواجهة الظاهرة لا تكون فقط بتشديد المراقبة على الحدود أو بمحاربة شبكات التهريب، رغم أهمية ذلك، و إنما تبدأ من الإستثمار الحقيقي في الإنسان. تبدأ من تعليم يفتح الآفاق، و تكوين مهني يواكب سوق الشغل، و اقتصاد يخلق فرصا حقيقية، و عدالة مجالية تجعل الشباب في مختلف المناطق يشعرون بأن لهم مكانا في مستقبل وطنهم.

كما أن للأسرة، و المدرسة، و الإعلام، و المجتمع المدني، دورا لا يقل أهمية. فالتوعية بمخاطر الهجرة غير النظامية، و تقديم نماذج نجاح محلية، و ترسيخ ثقافة المبادرة و ريادة الأعمال، كلها عناصر قادرة على إعادة الثقة في إمكانية النجاح داخل الوطن، دون الحاجة إلى ركوب قوارب قد لا تصل أبدا.

و يبقى من الإنصاف أيضا الإعتراف بأن المغرب، خلال السنوات الأخيرة، أطلق عددا من البرامج و المبادرات الرامية إلى دعم الإستثمار، و تشجيع التشغيل، و تمويل المشاريع، و تحسين البنيات الإقتصادية و الإجتماعية. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في أن ينعكس أثر هذه الجهود بشكل ملموس على حياة الشباب، و أن يشعروا بأن المستقبل الذي يبحثون عنه ليس بعيدا عنهم، بل يمكن أن يبنى هنا، فوق أرض وطنهم.

إن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو شعور بالإنتماء، و إحساس بالأمل، و ثقة في الغد. و عندما يتراجع هذا الشعور لدى فئة من الشباب، يصبح من واجب الجميع أن يتساءل: كيف نعيد إليهم الثقة؟ و كيف نجعلهم يؤمنون بأن أحلامهم يمكن أن تتحقق دون أن يضعوا أرواحهم على كف البحر؟

ابك يا وطني… لا لأن أبناءك يريدون الرحيل، بل لأن بعضهم فقد الإيمان بأن أحلامه يمكن أن تزهر بين ربوعك. غير أن البكاء وحده لا يصنع المستقبل؛ فما يصنعه حقا هو العمل، و الإنصات، و الإصلاح، و فتح أبواب الأمل أمام كل شاب حتى لا يبقى البحر هو خياره الأخير، بل يصبح الوطن هو خياره الأول، و الأجمل، و الأكثر أمانا.

بقلم

lamarocaine

أضف تعليقا