عاجل
أقلام حرة

قهيوة مهرسة على رصيف المقهى… حكايات يكتبها الصمت وتفضحها الملامح

عبد الحق منار | | قراءة 2 د | 5 مشاهدة

محمد فتاح –

في المقهى الشعبي ، لا تُحتسى القهوة فقط، بل تُروى حكايات كاملة دون كلمات. هناك ، حيث تتقاطع النظرات وتتشابه الهموم ، يتحول كأس “القهيوة المهرسة” إلى شاهد صامت على تفاصيل الحياة اليومية ، وعلى وجوه أنهكها الانتظار وأخرى ما زالت تتشبث بخيط من الأمل.

أجلس في ركني المعتاد ، أراقب حركة المكان وأرتشف قهوتي بهدوء. أمامي يمتزج سواد القهوة ببياض الحليب في مشهد بسيط ، لكنه يشبه إلى حد بعيد واقعنا الاجتماعي ؛ مرارة تفرضها الظروف ، وأمل يحاول أن يخفف من وطأتها.

على الطاولة المجاورة يجلس رجل خمسيني ، يحدق طويلاً في الفراغ قبل أن يعود إلى كأسه. لا يبدو منشغلاً بما يدور حوله ، بل بحسابات أثقل من أن تُرى بالعين المجردة. يفكر في مصاريف البيت ، وفواتير تتراكم ، وأسعار ترتفع ، ودخل لم يعد يكفي لمواجهة متطلبات الحياة. في ملامحه تختصر قصة آلاف الأسر التي تحاول التعايش مع واقع اقتصادي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم .

غير بعيد عنه ، شاب يقلب شاشة هاتفه بين إعلان وآخر ، وبين فرصة عمل وأخرى مؤجلة. يبحث عن نافذة تفتح له باب المستقبل ، وعن مكان يشعر فيه أن جهده وشهادته لم يذهبا سدى. هؤلاء الشباب الذين تزدحم بهم المقاهي ليسوا هواة انتظار ، بل ضحايا واقع يجعل الحلم مؤجلاً ، ويحول الطموح أحياناً إلى معركة يومية مع الإحباط.

ولعل سر تعلق المغاربة بـ”القهيوة المهرسة” يكمن في رمزيتها البسيطة. فهي ليست سوداء بالكامل ، ولا بيضاء بالكامل ، بل مزيج متوازن بين النقيضين. تماماً كما يحاول المواطن البسيط أن يوازن بين متطلبات الحياة وإمكانياته المحدودة ، وبين ما يتمناه وما يستطيع تحقيقه.

المقهى لم يعد مجرد فضاء للترفيه أو تمضية الوقت ، بل تحول إلى برلمان شعبي مفتوح. هنا تُناقش الأسعار ، وتُحلل القرارات ، وتُروى القصص الصغيرة التي لا تجد مكاناً لها في نشرات الأخبار. هنا أيضاً يتقاسم الناس همومهم وأفراحهم ، ويمنح بعضهم بعضاً جرعات من الصبر والأمل.

وحين تنتهي آخر رشفة من القهوة ، يبقى السؤال معلقاً : هل يكفي أن نرصد هذه الحكايات ونصفها؟ أم أن الواجب يقتضي البحث عن حلول حقيقية تجعل حياة الناس أقل قسوة وأكثر توازناً؟

فالناس ، في النهاية ، لا يطلبون المستحيل. يريدون فقط حياة كريمة تشبه “القهيوة المهرسة” : دافئة ، متوازنة ، وفي متناول الجميع.

بقلم

عبد الحق منار

أضف تعليقا