المهرجانات المثيرة للجدل.. هل تخدم الثقافة أم تزيد من إتساع الهوة مع المجتمع؟
عبدالله خباز –
في كل صيف، و مع انطلاق موسم المهرجانات الفنية و الثقافية، يعود الجدل نفسه إلى الواجهة بقوة: ما الفائدة الحقيقية التي يجنيها المجتمع من بعض المهرجانات التي يصفها جزء من المواطنين بأنها خادشة للحياء أو بعيدة عن قيمه و هويته؟ و لماذا تتحول بعض هذه التظاهرات من فضاءات للفن و الثقافة إلى موضوع نقاش حاد بين المؤيدين و المعارضين؟
لا أحد يختلف حول أهمية الفن و الثقافة باعتبارهما رافعتين للتنمية و التواصل و الإنفتاح، كما أن المهرجانات في حد ذاتها أصبحت جزءا من المشهد الثقافي و الإقتصادي في مختلف دول العالم. فهي تساهم في تنشيط السياحة، و تحريك عجلة الإقتصاد المحلي، و خلق فرص شغل موسمية، كما تمنح الفنانين و المبدعين فضاءات للتعبير عن مواهبهم. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود المهرجانات بحد ذاتها، بل في طبيعة الرسائل التي تقدمها و بعض الممارسات التي قد ترافقها.
فالكثير من المنتقدين يتساءلون: هل الهدف من المهرجان هو الإرتقاء بالذوق العام و نشر الثقافة و الفن الهادف، أم مجرد صناعة الفرجة بأي ثمن؟ و هل يمكن اعتبار بعض العروض أو السلوكات التي تثير استياء فئات واسعة من المجتمع شكلا من أشكال الإبداع، أم أنها تجاوز لحدود الذوق العام و احترام الخصوصية الثقافية للمجتمع؟ إنها أسئلة مشروعة تفرض نفسها كلما شعر المواطن بأن هناك فجوة بين ما يقدم على المنصة و بين ما ينتظره من مؤسسة ثقافية أو حدث ممول من المال العام أو مدعوم من مؤسسات رسمية.
و من زاوية أخرى، يرى المدافعون عن هذه التظاهرات أن الفن بطبيعته فضاء للتعبير الحر، و أن الحكم على الأعمال الفنية يظل نسبيا و يختلف من شخص إلى آخر. كما يؤكدون أن الإنفتاح على مختلف الأنماط الفنية أصبح جزءا من الواقع العالمي المعاصر. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهة بعض جوانبه، لا يعفي المنظمين من مسؤولية مراعاة خصوصيات المجتمع و احترام حساسياته الثقافية و الدينية و الأخلاقية، لأن الحرية الفنية لا تنفصل عن المسؤولية الإجتماعية.
و إذا كان الهدف الحقيقي من المهرجانات هو خدمة التنمية الثقافية، فإن المواطن ينتظر أن يرى انعكاس ذلك على أرض الواقع. ينتظر مهرجانات تحتفي بالمواهب المحلية، و تشجع القراءة و الفكر و الإبداع، و توفر فضاءات للأطفال و الشباب، و تسلط الضوء على التراث الوطني، و تدعم الإقتصاد المحلي بشكل ملموس. أما حين يقتصر الحديث على مشاهد مثيرة للجدل أو تصرفات تستفز الرأي العام، فإن النقاش يتحول تلقائيا من الحديث عن الثقافة إلى الحديث عن القيم و الهوية و الأولويات.
كما أن سؤال الأولويات يظل حاضرا بقوة في هذا النقاش. فالكثير من المواطنين يتساءلون عن مدى التوازن بين الإنفاق على التظاهرات الفنية و بين حاجيات قطاعات أخرى كالتعليم و الصحة و البنية التحتية و التشغيل. و رغم أن التنمية الثقافية جزء أساسي من التنمية الشاملة، فإن نجاح أي مشروع ثقافي يبقى مرتبطا بقدرته على إقناع المواطن بأنه يحقق منفعة حقيقية للمجتمع و لا يتحول إلى مجرد حدث عابر يثير الجدل أكثر مما يصنع الأثر.
في النهاية، لا ينبغي أن يكون النقاش حول المهرجانات صراعا بين الفن و القيم، و لا مواجهة بين الحداثة و الهوية، بل فرصة لطرح سؤال أعمق: كيف يمكن بناء مهرجانات تجمع بين الإبداع و الاحترام، و بين الإنفتاح و الخصوصية، و بين الترفيه و الرسالة الثقافية؟ فالمجتمعات الناجحة ليست تلك التي ترفض الفن، و لا تلك التي تتجاهل قيمها، و إنما تلك التي تنجح في إيجاد التوازن الذكي بين الإثنين، بحيث يصبح المهرجان مناسبة للإحتفاء بالجمال و الثقافة و المعرفة، لا سببا دائما للإنقسام و الجدل.




