القرى التي لا تزورها السياسة إلا عند الحاجة إلى الأصوات
عبدالله خباز –
في كل محطة انتخابية تقريبا، يتكرر المشهد ذاته في عدد من المناطق القروية و النائية. فجأة تعود الحركة إلى المسالك التي ظلت مهجورة، و تفتح أبواب التواصل التي أغلقت لسنوات، و تتكاثر الزيارات و اللقاءات و الوعود. و كأن القرى التي عاشت طويلا على هامش الإهتمام الرسمي تستعيد وجودها فجأة على خريطة المسؤولين و المنتخبين.
المؤلم في الأمر ليس الزيارة في حد ذاتها، فالإقتراب من المواطنين و الإستماع إلى مشاكلهم واجب مطلوب في كل وقت. لكن الإشكال الحقيقي يكمن حين يتحول هذا الحضور إلى سلوك موسمي مرتبط فقط بمواعيد الإنتخابات، بينما تبقى الساكنة وحيدة في مواجهة الإكراهات اليومية طوال السنوات الفاصلة بين استحقاق و آخر. عندها يفقد المواطن ثقته في الخطاب السياسي، و يصبح أكثر ميلا إلى التشكيك في النوايا و الأهداف.
لقد تغيرت نظرة المواطنين اليوم بشكل كبير. فبفضل تراكم التجارب و الوعي المتزايد، لم تعد الوعود وحدها كافية لإقناع الناس. المواطن البسيط الذي ينتظر إصلاح طريق أو توفير ماء صالح للشرب أو تحسين الخدمات الأساسية، أصبح يقيس المصداقية بالأفعال لا بالكلمات، و بالحضور الدائم لا بالزيارات العابرة. لذلك فإن أي محاولة لاستعادة الثقة في اللحظات الأخيرة غالبا ما تصطدم بذاكرة جماعية تحتفظ جيدا بمن حضر وقت الشدة و من غاب.
إن التنمية الحقيقية لا تبنى خلال الأسابيع التي تسبق الإنتخابات، بل تبنى عبر عمل ميداني متواصل يمتد على مدار السنوات. فالقرى و المناطق الهامشية لا تحتاج إلى صور تذكارية و لا إلى خطابات مناسباتية، بل تحتاج إلى مشاريع ملموسة تلامس حياة السكان و تخفف من معاناتهم اليومية. و حين يشعر المواطن بأن المسؤول يتقاسم معه همومه باستمرار، يصبح الدعم الشعبي نتيجة طبيعية للعمل الجاد، و ليس هدفا يتم البحث عنه مع اقتراب صناديق الإقتراع.
كما أن الديمقراطية السليمة لا تقوم على استثمار معاناة الناس انتخابيا، بل على ربط المسؤولية بالمحاسبة. فمن حق المواطنين أن يسألوا عن المنجزات و الحصيلة، و أن يقارنوا بين الوعود السابقة و الواقع الحالي. و من حقهم أيضا أن يعبروا عن مواقفهم بحرية كاملة بعيدا عن أي ضغط أو تأثير ظرفي.
لقد دخل المغرب مرحلة جديدة عنوانها ارتفاع سقف الوعي المجتمعي و تنامي تطلعات المواطنين إلى حكامة أفضل و ربط حقيقي بين المسؤولية و النتائج. و في ظل هذا التحول، لم يعد كافيا أن يظهر المسؤول عندما تقترب الإنتخابات، بل أصبح مطالبا بأن يكون حاضرا باستمرار، قريبا من المواطنين، منصتا لانشغالاتهم، و مواكبا لقضاياهم في كل الظروف.
فالناخب اليوم لا يبحث عن الوجوه التي تظهر عند الحاجة إلى الأصوات، بل عن المسؤول الذي يظل حاضرا عندما تكون الحاجة إلى الخدمة و العمل و الإنصات. و بين الحضور الموسمي و الحضور المسؤول، يظل المواطن هو الحكم الأول و الأخير.




