موجة حر تاريخية تضرب أوروبا.. وفيات متزايدة و تحذيرات من حصيلة أثقل في الأيام المقبلة
عبدالله خباز –
تواصل موجة حر إستثنائية اجتياح أجزاء واسعة من القارة الأوروبية، مخلفة تداعيات صحية و إنسانية متزايدة، في وقت بدأت فيه بعض الدول، و على رأسها فرنسا، رصد آثارها المأساوية على السكان. و بينما تتجه الكتلة الهوائية الساخنة نحو شرق القارة، يعيش ملايين الأوروبيين يوما جديدا تحت درجات حرارة خانقة تجاوزت في بعض المناطق المعدلات المسجلة تاريخيا، وسط استنفار للسلطات الصحية و خدمات الطوارئ.
و وفق المعطيات المعلنة، فإن ما لا يقل عن 191 مليون شخص في أوروبا تأثروا أو سيتأثرون بدرجات حرارة تفوق 35 درجة مئوية خلال هذا الأسبوع، بينما شهدت عدة دول أرقاما قياسية غير مسبوقة. فقد سجلت ألمانيا 41.5 درجة مئوية، فيما بلغت الحرارة 40.6 درجات في التشيك و 37 درجة في الدنمارك، في مشهد يعكس اتساع رقعة الظاهرة و شدتها. كما عرفت بعض المدن الألمانية ليال شديدة الحرارة حطمت بدورها أرقاما قياسية سابقة، ما زاد من صعوبة الأوضاع الصحية للسكان.

و في فرنسا، حيث بدأت درجات الحرارة بالتراجع تدريجيا بعد أحد عشر يوما من القيظ المتواصل، شرعت السلطات في تقييم الخسائر البشرية المرتبطة بالموجة الحارة. و أعلنت وكالة الصحة العامة تسجيل نحو ألف وفاة إضافية فوق المعدل الطبيعي منذ أواخر يونيو، مع ترجيح ارتفاع الحصيلة خلال الأيام المقبلة مع استكمال بيانات الوفيات الواردة من المنازل و مؤسسات الرعاية. و تشير المعطيات الأولية إلى أن كبار السن، خصوصا من تجاوزوا الخامسة و الستين من العمر، كانوا الأكثر تضررا من هذه الظروف المناخية القاسية.
و تتزايد المخاوف داخل الأوساط الطبية الفرنسية من أن تكشف الأيام المقبلة عن أرقام أكثر ثقلا. فقد حذر مسؤولون في قطاع الصحة من أن العديد من الحالات المرتبطة بالإجهاد الحراري و الجفاف لم تحص بعد بشكل كامل، خاصة بين الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم أو يعانون هشاشة صحية. كما استمرت المستشفيات و أقسام الطوارئ في استقبال أعداد كبيرة من المصابين بمضاعفات ناجمة عن الإرتفاع الحاد في درجات الحرارة.
و يجمع خبراء المناخ على أن تكرار موجات الحر العنيفة في أوروبا بات يرتبط بشكل مباشر بظاهرة التغير المناخي الناتجة أساسا عن انبعاثات الغازات المسببة للإحتباس الحراري. و يشير مختصون إلى أن تغيرات معقدة تشهدها منطقة شمال المحيط الأطلسي قد تساهم في تعزيز تشكل ما يعرف بـ”قباب الحرارة”، و هي ظاهرة تؤدي إلى احتجاز الهواء الساخن فوق مساحات واسعة لفترات طويلة، ما يرفع درجات الحرارة إلى مستويات استثنائية.
و لا تقتصر آثار هذه التحولات المناخية على صحة الإنسان فحسب، بل تمتد إلى النظم البيئية و البحرية أيضا. و يحذر علماء من تراجع التنوع البيولوجي و اختفاء بعض الأنواع المرتبطة بالمياه الباردة، في وقت تتعالى فيه الدعوات إلى التعامل بجدية أكبر مع التحذيرات العلمية. و بينما تبدأ بعض المناطق الأوروبية بالتقاط أنفاسها بعد أيام من الحر الشديد، يؤكد المختصون أن ما تشهده القارة اليوم ليس حدثا عابرا، بل مؤشر واضح على تحديات مناخية مرشحة للتفاقم خلال السنوات المقبلة.




