قهيوة مهرسة : النادلات …وجوه خلف المرارة
محمد فتاح –
في الصباح، وبينما يحتسي رواد المقهى قهوتهم على عجل استعداداً ليوم جديد، تمر أمامهم وجوه كثيرة دون أن ينتبهوا إلى ما تخفيه من حكايات. ومن بين تلك الوجوه، تظل النادلات في المقاهي جزءاً من المشهد اليومي، يحملن فناجين القهوة بابتسامات هادئة، بينما يخفين وراءها متاعب لا يراها أحد.
حادثة اختطاف نادلة بمنطقة ثلاثاء الأولاد بإقليم سطات ليست مجرد خبر عابر أو واقعة معزولة، بل ناقوس خطر يدق بقوة، ويعيد إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول أوضاع فئة من النساء اللواتي يشتغلن في ظروف صعبة، بين متطلبات العمل ونظرات المجتمع ومخاطر الطريق.
حين نطلب قهوة مهرسة، نبحث عن مذاق قوي يوقظ الحواس، لكن هناك مرارة أخرى أشد قسوة من مرارة البن، إنها مرارة الخوف وعدم الأمان، ومرارة الإحساس بأن بعض العاملات يواجهن مصيرهن اليومي دون حماية كافية أو سند حقيقي.
النادلات لسن مجرد عاملات يقدمن المشروبات للزبائن، بل هن بنات وأخوات وأمهات يعشن ظروفاً اجتماعية واقتصادية مختلفة، ويكافحن من أجل لقمة العيش بكرامة. لذلك فإن أي اعتداء يطال إحداهن هو اعتداء على الشعور الجماعي بالأمن، وعلى القيم التي يفترض أن تحكم مجتمعاً يحترم المرأة ويصون حقوقها.
في “قهيوة مهرسة” هذا الصباح، لا نتحدث عن القهوة بقدر ما نتحدث عن الإنسان. عن تلك الوجوه التي تمر أمامنا كل يوم دون أن ننتبه إلى حجم المعاناة التي قد تحملها. فالمقاهي فضاءات للقاء والتواصل، وليست أماكن للخوف أو الاستغلال أو انتهاك الكرامة.
قد نستطيع تحمل مرارة القهوة، لكن من الصعب أن نتقبل مرارة واقع يجعل بعض النساء عرضة للعنف أو الاستغلال فقط لأنهن اخترن العمل الشريف ومواجهة الحياة بشجاعة. ولهذا يبقى الوعي المجتمعي، وتفعيل القانون، وحماية النساء العاملات، مسؤولية جماعية لا تقبل التأجيل.
فبين رشفة قهوة وأخرى، لنتذكر دائماً أن خلف كل فنجان يُقدَّم إلينا، قصة إنسان يستحق الاحترام والأمان والكرامة.
خاتمة مقترحة:
“القهوة المهرسة توقظ العيون، لكن بعض الوقائع توقظ الضمير… فهل من التفاتة صادقة إلى النادلات اللواتي يواجهن مرارة الحياة بصمت؟”




