عاجل
أقلام حرة

عندما تصبح المقاهي مدرجات مصغرة.. قراءة سوسيولوجية في شغف المغاربة بكرة القدم

Rachid bouricha | | قراءة 4 د | 18 مشاهدة

عبد المجيد عزيزي –

لم تعد المقاهي في المغرب مجرد فضاءات مخصصة لاحتساء القهوة أو قضاء أوقات الفراغ، بل تحولت مع مرور الزمن إلى مؤسسات اجتماعية تؤدي أدواراً تتجاوز وظيفتها التقليدية. ويبرز هذا التحول بشكل لافت خلال المباريات الكروية الكبرى، حيث تصبح المقاهي وجهة مفضلة لآلاف المشجعين الذين يختارون متابعة المباريات في أجواء جماعية تطبعها الحماسة والتفاعل وتقاسم المشاعر.

ومع كل استحقاق رياضي مهم، تتغير ملامح المقاهي المغربية لتشبه مدرجات مصغرة تنبض بالحياة. فقبل انطلاق المباراة بساعات، يبدأ المشجعون في التوافد على المقاهي حاملين معهم توقعاتهم وآمالهم وشغفهم باللعبة الأكثر شعبية في العالم. وما إن تنطلق صافرة البداية حتى تتحول الطاولات والكراسي إلى فضاء موحد يجمع أشخاصاً من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية حول هدف واحد يتمثل في تشجيع الفريق أو المنتخب الذي يمثلهم.

ومن منظور سوسيولوجي، تكشف هذه الظاهرة عن الدور الذي تلعبه كرة القدم في تعزيز الروابط الاجتماعية داخل المجتمع المغربي. فالمقاهي تتيح للأفراد فرصة الالتقاء والتفاعل وتبادل الآراء والانفعالات في إطار جماعي، ما يساهم في بناء أشكال من التضامن الرمزي والانتماء المشترك. وخلال المباريات، تتراجع الفوارق الاجتماعية والمهنية والثقافية لصالح هوية جماعية مؤقتة يصنعها الشغف الكروي.

ويرى عدد من الباحثين في علم الاجتماع أن متابعة المباريات بشكل جماعي تندرج ضمن ما يعرف بـ”الطقوس الاجتماعية الحديثة”، حيث يجتمع الأفراد حول حدث مشترك يمنحهم شعوراً بالاندماج داخل جماعة أوسع. فالهتافات الجماعية والتصفيق وردود الفعل تجاه الأهداف أو القرارات التحكيمية ليست مجرد تعبيرات رياضية عابرة، بل تمثل ممارسات اجتماعية تعزز الإحساس بالانتماء والتقارب بين الأفراد.

ولا تقتصر وظيفة المقاهي خلال المباريات على توفير فضاء للمشاهدة الجماعية فقط، بل تتحول أيضاً إلى مجال للنقاش وتبادل الآراء حول أداء اللاعبين والاختيارات التقنية للمدربين. وبعد نهاية المباريات، تستمر هذه النقاشات لساعات طويلة، ما يجعل من المقهى فضاءً لإنتاج الخطاب الرياضي الشعبي وتداول التصورات المرتبطة بكرة القدم.

كما أن هذه التجمعات تعكس جانباً مهماً من الثقافة المغربية القائمة على التواصل المباشر والتفاعل الجماعي. ففي زمن تتزايد فيه مظاهر الفردانية والاعتماد على الوسائط الرقمية، تظل المقاهي واحدة من الفضاءات القليلة التي تحافظ على قيمة اللقاء الإنساني المباشر، حيث يتقاسم الناس لحظات الفرح والتوتر والانفعال بشكل جماعي.

وتزداد أهمية هذه الظاهرة عندما يتعلق الأمر بمباريات المنتخب الوطني المغربي، حيث تتحول المقاهي إلى فضاءات للتعبير عن الانتماء الوطني والاعتزاز الجماعي. فرفع الأعلام الوطنية وترديد الأهازيج وتشجيع “أسود الأطلس” يعكس أكثر من مجرد متابعة رياضية، بل يجسد شعوراً جماعياً بالفخر والانتماء.

كما تحمل هذه الدينامية أبعاداً اقتصادية مهمة، إذ تعرف المقاهي خلال البطولات الكبرى إقبالاً متزايداً من الزبائن، ما ينعكس إيجاباً على نشاطها التجاري، خصوصاً في المدن الكبرى والمناطق السياحية التي تتحول فيها متابعة المباريات إلى حدث يومي متكرر.

وتكشف هذه الظاهرة أن كرة القدم في المغرب لم تعد مجرد رياضة، بل أصبحت عنصراً فاعلاً في الحياة الاجتماعية والثقافية، يخلق لحظات مشتركة من الفرح والتوتر والأمل، ويمنح الأفراد فرصة للهروب من ضغوط الحياة اليومية والانخراط في تجربة جماعية توحد المشاعر.

وفي المحصلة، يتضح أن المقاهي المغربية خلال فترات المباريات الكروية لا تؤدي فقط دوراً ترفيهياً، بل تضطلع بوظيفة اجتماعية وثقافية عميقة، تجعل منها فضاءات لإعادة إنتاج الروابط بين الأفراد وصياغة أشكال جديدة من الانتماء الجماعي. فداخل هذه الفضاءات، تتقاطع الهويات الفردية مع الهوية الجماعية، وتتحول لحظات التشجيع إلى تجربة مشتركة تعكس نبض المجتمع.

كما أن استمرار هذا النمط من التفاعل يؤكد أن كرة القدم أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للمغاربة، ليس فقط باعتبارها رياضة، بل باعتبارها ظاهرة اجتماعية تعكس التحولات الثقافية وأنماط العيش الحديثة. وبين أصوات الهتاف وضجيج النقاشات، تظل المقاهي شاهداً حياً على قدرة الرياضة على خلق لحظات من الوحدة والانتماء.

بقلم

Rachid bouricha

أضف تعليقا