أقلام حرة
عزيز حناوي يكتب “حين يصبح العزوف جزءا من المشكلة”
حين يصبح العزوف جزءا من المشكلة.
كلما اقترب موعد انتخابي، يعود الحديث من جديد عن الشباب والسياسة، وعن استعادة الثقة في ظل مشاركة ضعيفة وانسداد الأفق بالنسبة إلى العديد من الشباب. وهي وضعية تطرح أمامنا إشكالات حقيقية، تدفعنا إلى التفكير والحديث جهرا: لماذا لا يشارك الشباب؟ لماذا تراجعت الثقة في الأحزاب؟ ولماذا أصبح جزء من الجيل الجديد ينظر إلى الانتخابات وكأنها محطة لا تعنيه؟
وتبقى كل هذه الأسئلة مشروعة، لكن قبل البحث عن الأجوبة، علينا أن نطرح سؤالا أكثر عمقا: هل يمكن أن يكون العزوف عن السياسة حلا، أم أنه أداة تزيد من مشاكل السياسة؟
أعتقد، كشاب مؤمن بدور المؤسسات، أنه رغم كل ما يطالها من انتقاد ولوم، والذي يتجاوز في بعض الأحيان حدود اللباقة والحوار والرغبة في تحسين الأوضاع، فإن المؤسسات، سواء كانت سياسية أو إدارية أو أمنية أو دينية، تضطلع بدور مهم لا يقتصر على تحقيق الأهداف وتنزيل السياسات العامة، بل يتجاوز ذلك إلى تحقيق التوازن داخل المجتمع والحفاظ على استقراره.
ومن حق الشباب أن ينتقدوا الأحزاب، وأن يطالبوها بلعب الأدوار المنوطة بها كاملة غير منقوصة، لكن يجب أيضا أن نعود إلى دراسة البنية السياسية وفهم أين بدأ الخلل، من أجل إصلاح الأعطاب وتجاوز ما نحن عليه اليوم.
ومن حق الشباب أن يعبروا عن غضبهم من بعض الممارسات السياسية عبر فضاءات متعددة، لكن بشكل لا يساهم في تقويض الديمقراطية أو الدفع نحو المعارضة الصامتة والعزوف المتزايد. ومن حقهم أن يرفضوا الوعود التي لا تتحول إلى نتائج، وأن يطالبوا بتجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات. بل إن النقد في حد ذاته شكل من أشكال المشاركة، لأن الديمقراطية لا تتطور بالصمت، وإنما بالنقاش والمساءلة والاختلاف.
لكن هناك فرقا كبيرا بين انتقاد السياسة والانسحاب منها؛ فالسياسة، في معناها الحقيقي، ليست فقط حزبا أو مرشحا أو حملة انتخابية. السياسة حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية؛ فهي تلك التذكرة التي نشتريها عند الصعود إلى الحافلة أو القطار، وهي ثمن قنينة الغاز والخضر والفواكه، وهي حاضرة في المدرسة والجامعة، وفي فرص الشغل، وفي المستشفى، وفي تدبير عيد الأضحى، وفي السكن والضرائب والاستثمار، وفي مواجهة الأزمات والكوارث، وفي القرارات التي تحدد مستقبل مدينتنا وبلدنا.
حين نناقش قضية التعليم، فنحن نناقش قضية سياسية. وحين نطالب بفرص أفضل للشغل، فنحن أمام اختيارات في السياسات العمومية. وحين نناقش الماء أو الصحة أو غلاء المعيشة أو النقل أو مستقبل مدينتنا، فنحن في صميم الشأن العام.
لهذا، فقول البعض: «أنا ما عنديش مع السياسة» لا يعني أن السياسة لن تكون لها علاقة به. قد لا تهتم أنت بالسياسة، لكن القرارات السياسية ستظل تؤثر في دراستك وعملك وأسرتك ومستقبلك.
الانتخابات ليست كل السياسة، لكنها لحظة مهمة في إنتاج السياسة، وصناعة النخب، والدفع بوجوه جديدة، والبحث عن البدائل. وأحيانا، بدل أن تسأل: أين هو البديل؟ حاول أن تكون أنت جزءا من هذا البديل.
تحدث في السياسة، ومارسها بالطريقة التي تراها مناسبة لخدمة الحي والمدينة والمجتمع، وحاول أن تكون جزءا من التغيير الذي تنتظره؛ فالمشاركة السياسية لا تختزل في وضع ورقة داخل صندوق الاقتراع مرة كل عدة سنوات، بل إن المشاركة أوسع من ذلك بكثير.
أن تناقش قضية وطنية بوعي، فهذه مشاركة. أن تنخرط في جمعية، فهذه مشاركة. أن تقدم عريضة أو مقترحا، فهذه مشاركة. أن تراقب أداء المنتخبين وتطرح السؤال: ماذا قدموا؟ ولماذا لا يزال هذا الوضع قائما؟ فهذه مشاركة. أن تنتمي إلى حزب وتحاول تغييره من الداخل، فهذه مشاركة. وأن تختار، يوم الانتخابات، من تعتقد أنه الأقدر على تمثيلك، فهذه أيضا مشاركة.
وهذه الأشكال من المشاركة ليست منفصلة بعضها عن بعض، بل ترتبط بحياتنا اليومية وبتطور مجتمعنا. ومن هنا يظهر أن العزوف في حد ذاته قد يصبح جزءا من المشكلة، ولن يحقق النتائج التي يطمح إليها الشباب والمجتمع.
فالانتخابات ليست عصا سحرية ستغير كل شيء في يوم واحد، لكنها إحدى الأدوات التي تمنح المواطن إمكانية الاختيار.
العزوف قد يكون تعبيرا عن الغضب، لكنه لا يصنع بديلا. وحين نترك المجال العام، فإننا لا نوقف السياسة، بل نترك الآخرين يصنعون جزءا من القرارات التي ستؤثر في حياتنا ومستقبلنا.




