المحمدية بلا امرأة في صدارة اللوائح: فشل حزبي جماعي لا تبرره «الكوطا» الجهوية
أمينة عرشان- المغربية أنفو
مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تكشف الخريطة الأولية للترشيحات بدائرة المحمدية عن مفارقة صادمة: ما لا يقل عن 17 اسماً معلناً أو متداولاً لقيادة اللوائح المحلية، وجميعها لرجال. صفر امرأة في الصدارة، رغم تعدد الأحزاب واختلاف مرجعياتها، ورغم أن النساء يمثلن 46% من المسجلين في اللوائح الانتخابية على الصعيد الوطني.
صحيح أن باب إيداع الترشيحات الرسمية لم يُغلق بعد، وأن الأحزاب تستطيع تعديل اختياراتها إلى غاية 9 شتنبر. كما أن التشكيلات الكاملة للوائح، بما فيها المرتبتان الثانية والثالثة، لم تُنشر كلها. لذلك لا يجوز القول إن اللوائح النهائية خالية تماماً من النساء. لكن الواقعة التي لا يمكن تجميلها هي أن جميع الأسماء المتداولة حتى الآن لقيادة اللوائح المحلية بالمحمدية أسماء رجالية.
هذه ليست مصادفة إحصائية، وليست نتيجة طبيعية لـ«غياب الكفاءات النسائية». فعندما تنتهي اختيارات أحزاب الحكومة والمعارضة واليمين واليسار والأحزاب الكبرى والصغرى كلها إلى النتيجة نفسها، فإن الخلل يوجد في بوابة التزكية ذاتها: في طريقة صنع القرار الحزبي، وفي شبكات النفوذ المحلية، وفي المعايير غير المعلنة التي تجعل الرجل مرشحاً «طبيعياً» للمنافسة، بينما تُدفع المرأة إلى الصفوف الخلفية أو إلى اللائحة الجهوية التي خصصها القانون للنساء.
المناصفة القانونية لا تعفي الأحزاب
أقر القانون التنظيمي رقم 53.25 تخصيص لوائح الدوائر الانتخابية الجهوية حصرياً للنساء، مع الإبقاء على حقهن الكامل في الترشح في الدوائر المحلية. وقد أكد قرار المحكمة الدستورية رقم 259/25 أن هذا الإجراء تمييز إيجابي يرمي إلى تحسين تمثيلية النساء في أفق تحقيق المناصفة.
هذا تقدم قانوني مهم، لكنه لا يمنح الأحزاب صك براءة. فإذا اكتفت التنظيمات السياسية بتنفيذ ما أجبرها عليه القانون في اللائحة الجهوية، ثم سلمت جميع مواقع القيادة المحلية للرجال، فإنها تحول «الكوطا» من جسر نحو المناصفة إلى سقف زجاجي يمنع تجاوز الحد الأدنى.
المناصفة الحقيقية لا تعني أن تظهر النساء فقط في الدائرة المخصصة لهن قانوناً. إنها تعني أن ينافسن الرجال في الدوائر المحلية، وأن يتصدرن لوائح قابلة للفوز، وأن يحصلن على الموارد والظهور الإعلامي والدعم التنظيمي نفسه.
أما توزيع الأدوار على قاعدة «المحلي للرجال والجهوي للنساء» فليس تمكيناً؛ إنه فصل سياسي مقنع بلغة المناصفة.
بارومتر التمثيلية يفضح المسافة بين الخطاب والممارسة
أطلقت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب «بارومتر التمثيلية السياسية للنساء» لمساءلة الأحزاب قبل انتخابات 2026. ولا يكتفي البارومتر بعدّ المرشحات، بل يقيس خمسة مجالات أساسية: الالتزام السياسي بالمساواة، حكامة اختيار الترشيحات، الدعم المالي والتقني والتكويني للمرشحات، حضور النساء في الخطاب والإعلام الحزبي، ثم الوقاية من العنف السياسي والرقمي ضدهن.
وعند تطبيق هذه المعايير على المشهد الأولي في المحمدية، تبدو النتيجة شديدة السوء:
- في حكامة الترشيحات، لا توجد امرأة واحدة بين 17 اسماً متداولاً للصدارة.
- في الشفافية، لم تنشر الأحزاب معايير الاختيار ولا عدد النساء اللواتي طلبن التزكية ولا أسباب استبعادهن.
- في الدعم والتمكين، لا توجد مؤشرات محلية منشورة تثبت إعداد نساء لقيادة حملات تنافسية.
- في التواصل السياسي، تهيمن صور الرجال وأسماؤهم وأنشطتهم على النقاش الانتخابي المحلي.
- وفي الحماية، تتعرض مرشحات على الصعيد الوطني لحملات تشهير وعنف رقمي قد تدفع نساء أخريات إلى العزوف عن الترشح.
إن الحزب الذي يتحدث عن المناصفة ثم يعجز عن تقديم امرأة واحدة في صدارة لائحته المحلية لا يعاني نقصاً في الشعارات، بل نقصاً في الإرادة. والمطلوب ليس نشر صور النساء في الندوات أو استدعاؤهن للتعبئة، بل منحهن سلطة الترشح والقرار والتمويل والمنافسة.
«شباب مبادرات»: المشكلة في القرار الحزبي
شخّص بلاغ مؤسسة «شباب مبادرات» بالمحمدية الخلل بوضوح حين انتقد الهيمنة الذكورية على التزكيات، ورفض الحجة الجاهزة المتعلقة بندرة الكفاءات النسائية. فالمدينة تتوفر على فاعلات جمعويات وحقوقيات وأطر إدارية وأستاذات ومهندسات وطبيبات ومقاولات ومنتخبات راكمن خبرة حقيقية في الشأن العام.
المشكلة، كما يستفاد من البلاغ، ليست غياب النساء، بل غياب القرار الحزبي الشجاع الذي يضعهن في مقدمة اللوائح التنافسية. والأسوأ هو أن بعض التنظيمات تستفيد من عمل النساء في التأطير والتعبئة والحملات، ثم تعيدهن إلى الخلف عندما يحين وقت توزيع التزكيات والمواقع القابلة للفوز.
ويرتبط هذا الإقصاء كذلك بإعادة تدوير النخب وبالتنقل الموسمي بين الأحزاب بحثاً عن التزكيات. فكلما تحولت التزكية إلى تفاوض بين شبكات انتخابية مغلقة، ضاقت الفرصة أمام الوجوه الجديدة، وكانت النساء أول من يدفع الثمن.
لذلك لا يمكن فصل مطلب المناصفة عن مطلب تخليق الحياة السياسية وتجديد النخب وشفافية الاختيار.
ندوة عن المناصفة لا تساوي قراراً بالمناصفة
شهدت المحمدية أنشطة وندوات حزبية حول المشاركة السياسية للنساء، ومنها ندوة نظمها منتدى المناصفة والمساواة التابع لحزب التقدم والاشتراكية في يوليوز 2026. غير أن الاختبار الحقيقي لأي خطاب ليس عنوان الندوة، بل الاسم الذي يوضع في مقدمة اللائحة والميزانية التي تخصص لدعمه.
ولا يتعلق النقد بحزب واحد، بل بجميع الأحزاب التي انتهت اختياراتها الأولية إلى النتيجة نفسها. عندما تتفق تنظيمات متنافسة على إقصاء المرأة من صدارة السباق المحلي، فإننا نكون أمام توافق ذكوري غير معلن، أقوى من كل الخلافات الأيديولوجية المعلنة بينها.
حجة «القدرة على الفوز» دائرة مغلقة
غالباً ما تبرر الأحزاب اختياراتها بالبحث عن مرشح «قادر على الفوز». لكن هذه الحجة تخفي دائرة مغلقة: تُحرم النساء من قيادة اللوائح التنافسية بحجة أنهن أقل حظاً، ثم يُستعمل ضعف عدد الفائزات دليلاً جديداً على أنهن غير قادرات على الفوز.
القابلية الانتخابية ليست صفة بيولوجية يحتكرها الرجال؛ إنها تُصنع بالاستثمار السياسي، وبالحضور الميداني، وبالدعم المالي والإعلامي، وبالتراكم داخل المؤسسات.
والحزب الذي يخصص موارده وشبكاته للرجال، ثم يطالب النساء بإثبات قدرتهن منفردات، لا ينظم منافسة عادلة، بل يعيد إنتاج النتيجة التي يريدها مسبقاً.
ماذا يجب فعله قبل إغلاق الترشيحات؟
أمام الأحزاب إلى غاية 9 شتنبر فرصة لتصحيح الوضع، لا بوضع نساء في مراتب شكلية، بل بإجراءات واضحة:
- نشر معايير منح التزكيات وعدد طلبات النساء والرجال ونتائجها.
- إسناد قيادة لوائح محلية تنافسية لنساء، واعتماد هدف لا يقل عن 30% من الوكيلات، انسجاماً مع مطلب الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب.
- نشر التشكيلة الكاملة لكل لائحة وترتيب أعضائها، حتى لا تتحول مشاركة النساء إلى مجرد ملء للمراتب غير القابلة للفوز.
- تخصيص دعم مالي وتقني وإعلامي متساوٍ للمرشحات، مع تكوينهن في إدارة الحملات والتواصل وحماية الحسابات الرقمية.
- إقرار آلية محلية لرصد العنف والتشهير ضد النساء في المجال السياسي.
- إعداد المجتمع المدني والإعلام المحلي بطاقة تقييم علنية لكل حزب وفق مؤشرات البارومتر: عدد الوكيلات، مواقع المرشحات، الموارد المخصصة لهن وشفافية الاختيار.
الخلاصة: ليست أزمة كفاءات، بل أزمة إرادة
المحمدية لا تفتقر إلى النساء القادرات على تمثيلها؛ ما تفتقر إليه، حتى الآن، هو أحزاب مستعدة لتقاسم مواقع القوة الانتخابية معهن. نتيجة 17 رجلاً مقابل صفر امرأة ليست تفصيلاً عابراً، بل إشارة إلى أن ثقافة التزكية ما زالت أبطأ بكثير من الدستور والقانون وخطابات المناصفة.
النقد هنا لا ينتقص من حقوق المرشحين الرجال ولا يحكم على كفاءتهم، وإنما يرفض احتكارهم الجماعي لمداخل التمثيل المحلي. فلا ديمقراطية محلية حقيقية حين يبقى نصف المجتمع ناخباً ومعبئاً ومسانداً، لكنه يغيب عندما تُوزع مواقع القيادة.
إذا انتهى إيداع الترشيحات يوم 9 شتنبر وبقيت المحمدية بلا امرأة واحدة في صدارة اللوائح المحلية، فلن يعود ممكناً وصف الأمر بالسهو أو التأخر. سيكون قراراً سياسياً جماعياً واضحاً، وعلى كل حزب شارك فيه أن يتحمل مسؤوليته أمام نساء المدينة ورجالها.
المصادر:
قرار المحكمة الدستورية رقم 259/25
بارومتر التمثيلية السياسية للنساء للجمعية الديمقراطية لنساء المغرب
بلاغ مؤسسة شباب مبادرات بالمحمدية
المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية والتغطيات المحلية للترشيحات الأولية بالمحمدية.
ملاحظة تحريرية: الأسماء والترشيحات الواردة أولية، والحسم القانوني النهائي يكون بعد انتهاء إيداع الترشيحات يوم 9 شتنبر 2026.
أمينة عرشان- المغربية أنفو




