خمس سنوات مقابل مبلغ مالي زهيد.. هل يتكرر سيناريو المال في الانتخابات؟
يونس علالي –
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على المشهد السياسي: هل ستتكرر السيناريوهات نفسها التي طبعت محطات انتخابية سابقة، حيث يتقدم المال والنفوذ أحياناً على المبادئ والكفاءة والانتماء الحقيقي لقضايا المواطنين؟
فالانتخابات ليست مجرد يوم يضع فيه المواطن ورقة في صندوق الاقتراع، وإنما هي قرار سياسي ومجتمعي يرسم ملامح المرحلة المقبلة، ويحدد إلى حد كبير طبيعة من سيتولى مسؤولية التشريع ومراقبة العمل الحكومي والدفاع عن مصالح المواطنين.
ومع ذلك، يبقى المال الانتخابي أحد أبرز الهواجس التي تثير القلق كلما اقترب موعد الاستحقاقات. فهل يمكن أن يسقط المواطن مرة أخرى أمام إغراءات ظرفية، فيبيع صوته أو قناعته مقابل منفعة عابرة، ثم يجد نفسه بعد ذلك أمام واقع يمتد لخمس سنوات كاملة؟
قد تبدو بعض الإغراءات الانتخابية مغرية في لحظتها، لكنها سرعان ما تنتهي، بينما تبقى نتائج الاختيار لسنوات. فالذي يختار ممثله تحت تأثير المال أو الوعود أو الحسابات الضيقة، قد يجد نفسه لاحقاً أمام أسئلة صعبة تتعلق بالصحة والتعليم والشغل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية وغيرها من القضايا التي تمس حياته اليومية.
وهنا تبرز مسؤولية المواطن قبل غيره. فمن حقه أن يحاسب المنتخبين وأن يطالبهم بالوفاء بوعودهم، لكن من حق المجتمع أيضاً أن يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: كيف نشتكي ممن اخترناه بأيدينا، ونحن نعرف مسبقاً معايير اختياره؟
إن تحميل المسؤولية للمنتخب وحده لا يكفي. فالمواطن شريك أساسي في العملية الديمقراطية، وصوته ليس مجرد ورقة انتخابية، بل أمانة وقرار له تبعات. وإذا كان من حقه أن ينتقد أداء من انتخبه، فمن واجبه أيضاً أن يتأنى في الاختيار، وأن يضع الكفاءة والنزاهة والبرنامج والمصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية والوعود العابرة.
المطلوب اليوم ليس خطاباً انتخابياً جديداً بقدر ما هو وعي انتخابي جديد؛ وعي يجعل المواطن يدرك أن صوته لا ينبغي أن يكون سلعة، وأن لحظة انتخابية واحدة قد تحدد اتجاه خمس سنوات كاملة، فهل سنشهد هذه المرة انتخابات يكون فيها البرنامج أقوى من المال، والكفاءة أقوى من النفوذ، والمصلحة العامة أقوى من الولاءات الضيقة؟
أم أن المشهد سيعيد إنتاج نفسه، ليدخل المواطن بعد انتهاء الانتخابات في دائرة الشكوى والندم، بينما يكون قد ساهم، بشكل أو بآخر، في صناعة الواقع الذي يشتكي منه؟
في النهاية، يبقى صندوق الاقتراع مرآة للاختيار الشعبي. ومن يفرّط في صوته لحظة، قد يدفع ثمن ذلك الاختيار خمس سنوات.




