هلوسة… حين تضيق الأفكار بصاحبها ويقرر القلم أن يتمرد
هلوسة… حين تضيق الأفكار بصاحبها ويقرر القلم أن يتمرد
يونس علالي
كثيرة هي المرات التي تساورني فيها فكرة التخلص من كل أفكاري المتزاحمة، تلك التي لم يعد بعضها صالحًا، وأخرى تجاوزت الخطوط الحمراء، فيما تم تدنيس بعضها الآخر بفعل ذلك التواصل الذي تفرضه الظروف، حتى بات من الصعب التمييز بين ما أفكر فيه حقًا وما فرضته عليّ الحياة من أفكار ومواقف وقناعات.
أفكار كثيرة تتكدس في رأسي، تتصارع وتتناقض، بعضها يبحث عن مخرج، وبعضها الآخر يصر على البقاء رغم أنه فقد معناه أو صلاحيته. وفي كل مرة أحاول ترتيبها، أجدني أمام فوضى أكبر، وكأن العقل حين يعجز عن التخلص من شيء، يحتفظ به في زاوية ما، ثم يعيده إلى الواجهة في الوقت الذي لا نحتاجه فيه.
لذلك فكرت، ولو لمرة واحدة، في أن أدوّن كل شيء كما يأتي، دون أن أخضعه للضوابط اللغوية، ودون أن أتوقف عند الأخطاء الإملائية أو النحوية، ودون أن أسأل نفسي إن كانت الجملة سليمة أو الفكرة مقبولة أو العبارة تليق بما تعودنا أن نسميه كتابة.
أريد فقط أن أترك العنان لقلمي.
أن يكتب ما يشاء، بالطريقة التي يشاء، وأن يخرج كل ما علق في الداخل، دون رقابة أو تجميل أو محاولات مستمرة لإرضاء القارئ.
فربما لا تحتاج بعض الأفكار إلى مناقشة، بقدر ما تحتاج إلى أن تُكتب، وربما لا يكون الهدف من الكتابة دائمًا أن نقول شيئًا للآخرين، بل أن نُنقذ أنفسنا من ذلك الضجيج الذي لا يسمعه أحد.
هناك أفكار لا تجد طريقها إلى الكلام، وأخرى نخشى أن ننطق بها، وأفكار ثالثة نعرف مسبقًا أنها ستُساء قراءتها مهما حاولنا شرحها. لذلك تبقى حبيسة الرأس، تتكاثر بصمت، حتى يصبح العقل أشبه بغرفة ضيقة امتلأت بالأشياء ولم يعد فيها مكان لشيء جديد.
ومع تراكمها، يبدأ التعب،ليس تعب الجسد، وإنما ذلك النوع من التعب الذي يجعلك ترغب في الصمت، في الابتعاد، في إغلاق كل الأبواب والنوافذ، ثم الجلوس أمام ورقة بيضاء ومحاولة إخراج كل ما في داخلك دفعة واحدة.
قد تكون بعض هذه الأفكار خاطئة، وقد يكون بعضها متجاوزًا، وربما يكون بعضها الآخر مجرد هلوسة عابرة صنعها الإرهاق وكثرة التفكير.
لكنني لا أريد هذه المرة أن أحاكمها.
أريد فقط أن أتركها تمر.أن أكتبها كما تأتي، بلا ترتيب ولا تنقيح، بلا خوف من الخطأ، وبلا رغبة في الظهور بمظهر الشخص الذي يملك دائمًا إجابة واضحة ومنطقًا مرتبًا.
فحتى الفوضى لها حقها في أن تُسمع.
وربما حين تخرج هذه الأفكار من الرأس إلى الورق، يفقد بعضها قوته، ويتحول بعضها الآخر إلى مجرد كلمات عابرة. وربما أكتشف أن ما كان يبدو ضخمًا داخل رأسي لم يكن سوى فكرة صغيرة تضخمت لأنها بقيت حبيسة ولم تجد طريقها إلى الخارج.
لهذا سأكتب.
سأكتب لا لأثبت شيئًا، ولا لأقنع أحدًا، ولا لأبحث عن تصفيق أو موافقة، سأكتب فقط لأن رأسي امتلأ بما يكفي، ولأن بعض الأفكار حين لا تجد مكانًا على الورق، تبحث عن مكان آخر داخلنا، وهناك تبدأ الحكاية الأكثر إزعاجًا…
هلوسة؟ ربما.
لكنها، في النهاية، مجرد محاولة لإنقاذ العقل من ضجيج لا يعرف كيف يصمت.




