“قهيوة مهرسة” بطعم الفقد..الإعلامي محمد فتاح، صديق غاب وبقي في الذاكرة
يونس علالي –
بعد أيام من التعب واستنزاف الجهد والطاقة خلال حملتنا الانتخابية، قررت أن أمنح نفسي بعض الوقت للراحة، فتوجهت إلى أحد المقاهي الهادئة، حيث طلبت فنجان قهوة مهرسة.
كانت المرة الثانية التي أطلب فيها هذا النوع من القهوة، فأنا لم أعتد شربها، لكن هذه المرة ارتبط مذاقها بذكرى إنسان عزيز رحل عن الدنيا، هو الزميل الإعلامي الراحل محمد فتاح، الذي كانت تربطني به علاقة صداقة قوية تجاوزت في عمقها حدود الزمالة والصداقة لتلامس معنى الأخوة الحقيقية.
كان محمد فتاح رجلاً استثنائياً، متواضعاً، عالي الأخلاق، متسامحاً، ومقدراً لمعنى الصحبة والوفاء. وكان من أولئك الأشخاص الذين لا يحتاجون إلى كثير من الكلام لإثبات معدنهم، لأن مواقفهم كانت دائماً تتحدث عنهم.
وخلال هذه الحملة الانتخابية، وجدت نفسي أستحضر صورته وذكرياتي معه، وأتساءل كيف كان سيكون موقفه لو ظل بيننا اليوم.
كنت على يقين أنه لو كان الراحل محمد فتاح على قيد الحياة، لكان إلى جانبي، ولكان ساعدني في حملتي الانتخابية دون انتظار مقابل أو البحث عن منفعة. فقد كان قد وعدني بذلك، وكنت أعرف جيداً أن وعده لم يكن مجرد كلام عابر.
لكن الحملة الانتخابية كشفت، في المقابل، عن وجوه أخرى تغيّرت ملامحها مع بدايتها. أشخاص نسوا الملح والصداقة والعِشرة، وتخلوا عن صداقة امتدت لسنوات، بعدما دخلت الإغراءات وحسابات المصالح على الخط.
كانت الساحة تعج بالسماسرة و«الشناقة»، وتحول المشهد في بعض جوانبه إلى ما يشبه سوقاً مفتوحة للبيع والشراء، حيث أصبح كل شيء قابلاً للتفاوض، رغم أن العرض كان، كما بدا، أكبر بكثير من الطلب.
وفي خضم هذا المشهد، ازداد حضوري الذهني للراحل محمد فتاح. كنت أعلم علم اليقين أنه لم يكن لينزل إلى هذا المستوى، ولم يكن ليبيع صداقة أو عشرة عمر مقابل دراهم معدودة.
رحل محمد فتاح، لكن مواقفه بقيت شاهدة على رجل كان يؤمن بأن الصداقة ليست سلعة، وأن الوفاء لا يخضع لقانون العرض والطلب، وأن الرجال تُعرف قيمتهم حين تختبرهم الظروف.
وبينما كنت أحتسي «قهوتي المهرسة» في ذلك المقهى الهادئ، لم أكن أشرب مجرد فنجان قهوة، بل كنت أستعيد ذكرى رجل ترك فراغاً لا يملؤه المال ولا تعوضه كثرة المعارف.
رحم الله محمد فتاح رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما تركه من محبة وذكرى طيبة شاهداً له لا عليه.
رحم الله الصديق والأخ والزميل محمد فتاح، وجعل مثواه الجنة.




