شباب المغرب لم يفرو خوفا منوالفقر بل طمعا في الغنا والكرامة والحرية في قلب الحلم الأوروبي
شباب المغرب لم يفرو خوفا منوالفقر بل طمعا في الغنا والكرامة والحرية في قلب الحلم الأوروبي .
فؤاد خويا
في كل مرة تتصدر فيها مشاهد اندفاع الشباب المغربي نحو حدود مدينة سبتة نشرات الأخبار، تتسارع العديد من التحليلات السطحية إلى اختزال هذا المشهد المعقد في كلمة واحدة: “الفقر”. لكن القراءة المتأنية لواقع هؤلاء الشباب، لملامحهم، ولخلفياتهم الاجتماعية، تكشف حقيقة أعمق بكثير. إنهم لم يفروا هرباً من الجوع أو الفقر المدقع، بل انطلقوا في رحلة محفوفة بالمخاطر بحثاً عن ثالوث مفقود: الغنى، الكرامة، والحقوق، متجسداً في ما يُعرف بـ “الحلم الأوروبي”.
ليس هرباً من الجوع.. بل تمرداً على “الفقر المُنظَّم”
إذا تأملنا في شريحة الشباب الذين يحاولون العبور، سنجد أن معظمهم يمتلكون هواتف ذكية، ويرتدون ملابس عصرية، والعديد منهم حصلوا على مستوى تعليمي لا بأس به، أو يمتلكون حرفاً ومهارات. هم لا يعانون من غياب “رغيف الخبز”، بل يعانون من انعدام الأفق الاقتصادي. وبحثا عن الغنا المتشكل في عقلية المغربي المهاجر سيارة فاخرة ومنزل فاخر في المغرب وزوجة أوروبية من قوم عيسى.
الدافع هنا ليس الفقر بمعناه البيولوجي أو الكلاسيكي، بل هو حالة من “الحرمان النسبي” والشعور بانسداد سبل الارتقاء الاجتماعي.
الشاب المغربي اليوم يرى العالم بأسره عبر شاشة هاتفه، ويقارن بين مجهوده البدني والفكري وبين العائد المادي الضعيف الذي يتلقاه في وطنه. لذا، فالعبور إلى سبتة هو محاولة للبحث عن “الغنى”؛ ليس بالضرورة الثراء الفاحش، بل الاستقلال المالي، والقدرة على بناء أسرة، وامتلاك سكن، وتأمين مستقبل يحفظ ماء الوجه.
الكرامة وحقوق الإنسان هما البوصلة الحقيقية
إلى جانب الطموح المادي الذي يقف محفز أقوى وأكثر عمقاً.
الشباب الذين يختارون ركوب قوارب الموت أو تسلق السياجات الشائكة يبحثون عن بيئة تُحترم فيها إنسانيتهم قبل كل شيء او بحثا عن الجنة الأوروبية كما توجدفي مخيلة هؤلاء الشباب، تمثل أوروبا منظومة متكاملة من الحقوق والحياةالرغدة ومن ابرز معالمها
حقوق العمال: حيث يُقدر الجهد ويُكافأ بأجر عادل، وتتوفر الحماية الاجتماعية والصحية.
• سيادة القانون: حيث تسود ثقافة الاستحقاق وتتراجع المحسوبية (الزبونية)، مما يعطي الشاب شعوراً بأن كفاءته وحدها هي ما يحدد مستقبله.
• حرية التعبير وتحقيق الذات: بيئة تسمح للفرد بالتعبير عن طموحاته دون أن تصطدم بجدران البيروقراطية أو التهميش الممنهج.
”الهجرة نحو أوروبا لم تعد مجرد انتقال جغرافي، بل هي هجرة من نظام اجتماعي واقتصادي يشعر فيه الشاب بأنه عبء، إلى نظام يعتقد أنه سيُعامل فيه كمواطن كامل الحقوق، له قيمة وأهمية.
فضلا عن سحر “الحلم الأوروبي” وواقع الشاشات
حيث لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً حاسماً في صياغة هذا الحلم.
الشاب المغربي يتابع يومياً أبناء جيله من المهاجرين الذين يعرضون نجاحاتهم (حتى وإن كانت انتقائية أو مبالغاً فيها) في الدول الأوروبية. هذا “الاستعراض الافتراضي” يعزز قناعة راسخة بأن الحياة الحقيقية، والكرامة، والاعتراف بالذات، تبدأ بمجرد تخطي تلك الحدود الوهمية التي تفصل بين عالمين.
إن اختزال مشاهد الهجرة نحو سبتة في ثنائية “الجوع والفقر” هو ظلم لطموح جيل كامل وظلم أيضا لمجهود دولة هؤلاء الشباب هم في الحقيقة طاقة مهدورة، يمتلكون شجاعة وطموحاً دفعهم للمخاطرة بحياتهم من أجل الارتقاء بواقعهم. طالما لم يتم استيعاب أن الأزمة هي أزمة “غياب للكرامة وضعف في تكافؤ الفرص” وليست مجرد أزمة فقر مادي، فإن جاذبية الحلم الأوروبي ستظل أقوى من أي سياج حدودي وهذا ما يقع أيضا في الحلم الأمريكي بالنسبة للمواطن الأوروبي او المواطن في أمريكا الجنوبية او باقي المواطنين في العالم.




