عاجل
أقلام حرة

حين يبكي الآباء أمام المحاكم… من يحاكم وجع الأسر؟

محمد خـــــابة | | قراءة 4 د | 4 مشاهدة

حين يبكي الآباء أمام المحاكم… من يحاكم وجع الأسر؟

عبدالله خباز

 

في مشهد يتكرر كلما شهدت المدن أحداث شغب أو أعمال عنف أو تجاوزات للقانون، تتجه الأنظار عادة نحو المتورطين و ما ينتظرهم من متابعات و إجراءات قضائية، غير أن هناك وجها آخر للقصة لا يحظى بالإهتمام الكافي، وجها يختبئ خلف أبواب المحاكم و ممراتها، حيث تجلس أمهات و آباء و عائلات كاملة و هم يحملون فوق أكتافهم جبالا من الألم والحسرة و الخوف على مصير أبنائهم.

 

كم هو مؤلم أن ترى أما تقف لساعات طويلة أمام محكمة أو مركز للشرطة، ترفع يديها بالدعاء و تذرف الدموع أملا في أن تنتهي المحنة بأقل الخسائر الممكنة. و كم هو قاس أن تشاهد أبا أنهكته سنوات العمل و الكفاح و هو يتابع أخبار ابنه الذي وجد نفسه في مواجهة القانون، غير مصدق أن ذلك الطفل الذي حمله بين ذراعيه يوما أصبح موضوع متابعة أو مساءلة.

 

إن صور البكاء و الإنتظار و الترقب التي عاشتها العديد من الأسر خلال الأيام الأخيرة، و قبلها في مناسبات عديدة مشابهة، تطرح أسئلة عميقة تتجاوز مجرد الحديث عن الوقائع و الأحداث. فالقضية ليست فقط قضية شباب تورطوا في أفعال يعاقب عليها القانون، بل هي أيضا قضية أسر تدفع ثمنا نفسيا و اجتماعيا باهظا لأخطاء أبنائها.

 

لا أحد يختلف حول ضرورة احترام القانون و تطبيقه على الجميع دون استثناء، فالدولة لا يمكن أن تستقيم دون مؤسسات قوية و قضاء مستقل يحفظ الحقوق و يصون الأمن العام. لكن في المقابل، لا ينبغي أن نغفل الجانب الإنساني الذي يرافق مثل هذه الملفات، لأن خلف كل شاب يوجد أب و أم و إخوة و أقارب يعيشون لحظات عصيبة قد تترك آثارها لسنوات طويلة.

 

المؤلم في مثل هذه الحالات أن كثيرا من الآباء و الأمهات يشعرون بأنهم يحاكمون مع أبنائهم، رغم أنهم لم يرتكبوا أي خطأ. فالنظرات القاسية، و الهمسات المتداولة، و الأحاديث الجارحة أحيانا، كلها تتحول إلى عقوبة معنوية إضافية تتحملها الأسر فوق ما تعانيه أصلا من قلق و خوف وحزن.

 

و من الإنصاف أيضا الإعتراف بأن مسؤولية تربية الأبناء لم تعد سهلة كما كانت في السابق. فالعالم تغير بشكل جذري، و أصبحت مواقع التواصل الإجتماعي، و بعض المحتويات الرقمية، و ضغط الأقران، و المؤثرات المختلفة، تلعب أدوارا كبيرة في تشكيل سلوك الشباب. و هذا لا يعفي الأسر من مسؤوليتها، لكنه يوضح أن الظاهرة أكثر تعقيدا من أن تختزل في لوم الآباء و الأمهات فقط.

 

لقد كشفت العديد من الأحداث الأخيرة عن حاجة ملحة إلى فتح نقاش مجتمعي جاد حول دور الأسرة و المدرسة و الإعلام و الجمعيات و المؤسسات التربوية في حماية الشباب من الإنزلاق نحو السلوكيات التي قد تقودهم إلى مشاكل قانونية أو إجتماعية خطيرة. فالمعالجة الأمنية و القضائية ضرورية عندما يقع الخطأ، لكنها تبقى جزءا من الحل و ليست الحل كله.

 

إن المجتمع الذي يريد مستقبلا أفضل لشبابه لا يكتفي بإدانة الأخطاء بعد وقوعها، بل يعمل على منع أسبابها قبل أن تتحول إلى مآس إنسانية. و الشباب الذين يخطئون اليوم كانوا أطفالا بالأمس، و من واجب الجميع التفكير في كيفية تحصين الأجيال القادمة من الوقوع في المسارات نفسها.

 

و في خضم كل ذلك، يبقى أكثر المشاهد إيلاما هو ذلك المشهد الصامت الذي لا تنقله الكاميرات دائما: أم تمسح دموعها و تتمسك بالأمل، و أب يخفي انكساره خلف ملامح الصبر، و عائلة كاملة تترقب خبرا يخفف عنها ثقل الإنتظار. هناك، بعيدا عن الجدل و الصخب و التعليقات المتسرعة، تتجسد حقيقة مؤلمة مفادها أن خطأ فرد واحد قد يتحول إلى معاناة جماعية تعيشها أسرة بأكملها.

 

لذلك، و بين ضرورة احترام القانون و تطبيق العدالة، و بين واجب التعاطف الإنساني مع الأسر المكلومة، ينبغي أن يبقى صوت الحكمة حاضرا. فلا شماتة في المحن، و لا فرح في دموع الأمهات، و لا انتصار في انكسار الآباء. فالمجتمعات القوية ليست تلك التي تكثر فيها الأحكام القاسية، بل تلك التي تنجح في حماية أبنائها قبل أن يصلوا إلى أبواب المحاكم، و تمنحهم فرصا حقيقية للعودة إلى الطريق الصحيح عندما يخطئون.

 

و ربما يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: كم من أم و أب يجب أن يذوقا مرارة الإنتظار و الدموع حتى ندرك جميعا أن تربية الشباب و حمايتهم مسؤولية مجتمع بأكمله، و ليست مسؤولية الأسرة وحدها؟

بقلم

محمد خـــــابة

أضف تعليقا