حين تنازل لخصم عن ليلة من الفرح.. ليمنح طفلا أياما من الدفء
حين تنازل لخصم عن ليلة من الفرح.. ليمنح طفلا أياما من الدفء
عبدالله خباز
ليس كل فوز انتخابي يحتاج إلى زغاريد و موسيقى و موائد عامرة، و ليس كل انتصار يقاس بعدد المدعوين إلى حفلة أو حجم ما ينفق فيها. أحيانا، تكون أجمل طريقة للإحتفال هي أن تنظر بعيدا عن الأضواء، نحو طفل يرتجف من البرد، أو أسرة تنتظر من يطرق بابها بما يسد بعضا من حاجتها. و هذا بالضبط ما اختار مصطفى لخصم أن يفعله بعد فوزه في الإنتخابات التشريعية بدائرة صفرو، في موقف يستحق، بكل صراحة، أن يقال فيه: هكذا يمكن للفرحة أن تكون أجمل عندما يكون الإنسان في قلبها.
بعد أن تصدر نتائج الإنتخابات بدائرة صفرو و حصل على 19 ألفا و 608 أصوات، كان من الطبيعي أن يفكر الفائز في الإحتفال مع أنصاره و مؤيديه، و أن يشاركهم لحظة الفرح التي جاءت بعد منافسة إنتخابية إنتهت بوصوله إلى مجلس النواب. لكن لخصم إختار طريقا آخر؛ إذ أعلن أنه لن ينفق الأموال التي كان ينوي تخصيصها لحفل الفوز، بل سيحولها إلى شراء سترات شتوية لأطفال الدواوير. و قال في مقطع مصور: “الفلوس اللي كنت غادي ندير بها حفلة الفوز بالإنتخابات، غادي نشري بها جواكط لوليدات الدواوير”.
قد تبدو الفكرة بسيطة في كلماتها، لكنها كبيرة في معناها. فهناك فرق هائل بين أن تنفق المال على ساعات من الأكل و الفرح و تنتهي المناسبة بانتهاء السهرة، و بين أن يتحول المال نفسه إلى معطف يلبسه طفل في ليلة باردة، فيشعر أن هناك من تذكره. هناك فرق بين فرحة تنتهي عندما تطفأ الأضواء، و فرحة يمكن أن تمتد إلى طفل يحمل سترته الجديدة و يعود بها إلى بيته. و هنا تحديدا تكمن قوة ما فعله لخصم.
الأجمل في المبادرة أنها جاءت في اللحظة التي يكون فيها السياسي أكثر قابلية للإحتفال بنفسه: لحظة الفوز. ففي مثل هذه اللحظات، تكون الأضواء مسلطة على المنتصر، و الأنصار يريدون التعبير عن فرحتهم، و الإحتفال يبدو أمرا طبيعيا و مفهوما. لكن لخصم إختار أن يقول، عمليا، إن هناك ما هو أهم من أن نأكل و نشرب و نرقص لساعات. هناك أطفال، و هناك أسر محتاجة، و هناك دواوير تواجه ظروفا قاسية، و هناك شتاء قادم لا يسأل عن الإنتماء السياسي و لا عن عدد الأصوات التي حصل عليها هذا المرشح أو ذاك.
و هذه هي النقطة التي تجعل موقف لخصم يستحق التنويه بعيدا عن الحسابات السياسية و الانتخابية. فالعمل الإنساني لا يحتاج إلى لون حزبي حتى يكون جميلا، و المبادرة الإجتماعية لا ينبغي أن تختزل في صاحبها، بل في أثرها على من تصل إليهم. و عندما يقرر منتخب جديد أن يبدأ علاقته مع المواطنين من بوابة العطاء بدل الإستعراض، فمن حق الناس أن يتوقفوا عند هذه الإشارة و أن يقولوا إن في المشهد شيئا يستحق الإشادة.
و لعل أكثر ما يلفت في كلام لخصم أنه لم يتحدث فقط عن الإحتفال، بل ربط قراره بما يراه من حاجيات في محيطه. و هذا يجعل المبادرة تحمل معنى أوسع: أن الفوز في الإنتخابات لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق، و إنما بداية لمسؤولية جديدة. فالمواطن الذي وضع صوته في صندوق الإقتراع لا يحتاج فقط إلى أن يرى الفائز يوم إعلان النتائج؛ بل يحتاج أن يشعر، مع مرور الأيام، أن ذلك الصوت أصبح مسؤولية، و أن الثقة التي منحت له لم تتحول إلى امتياز شخصي.
قد يقول قائل إن سترات شتوية لن تحل مشاكل إقليم بأكمله، و هذا صحيح؛ فمشاكل الطرق و المدارس و التجهيزات و الهشاشة الإجتماعية تحتاج إلى سياسات عمومية و مشاريع و برامج و مؤسسات، و لا يمكن اختزالها في مبادرة فردية. لكن ذلك لا ينتقص إطلاقا من قيمة الفكرة. ليس مطلوبا من معطف واحد أن يحل مشكلة الفقر، و إنما المطلوب أن يصل إلى طفل يحتاج إليه. و ليس مطلوبا من مبادرة واحدة أن تصلح طريقا أو مدرسة، و إنما أن تترك أثرا إنسانيا حقيقيا في المكان الذي تصل إليه.
و في زمن أصبحت فيه صورة السياسي أحيانا مرتبطة بالمنصة و الكاميرا و الخطاب و الإحتفال، تأتي خطوة لخصم لتذكرنا بأن هناك صورة أخرى يمكن أن تكون أكثر دفئا: منتخب لا يقف فقط وسط أنصاره محتفلا بانتصاره، و إنما يتذكر، في لحظة الإنتصار نفسها، أولئك الذين لم يكونوا حاضرين في الحفل أصلا؛ أطفال الدواوير، و الأسر المحتاجة، و من يواجهون برد الجبال بوسائل محدودة. إنها صورة مختلفة للإنتصار، و ربما لهذا السبب وصلت إلى قلوب كثيرين.
لا يحتاج المرء إلى أن يكون من أنصار مصطفى لخصم حتى يقدر هذه المبادرة. و لا يحتاج إلى أن يتفق معه في كل مواقفه حتى يقول إن فكرة كهذه تستحق التشجيع. فالمجتمع يحتاج إلى أن يشجع كل سلوك إيجابي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأطفال و الأسر في وضعية هشاشة. و إذا تحولت هذه الفكرة من إعلان إلى فعل على الأرض، و وصلت السترات فعلا إلى الأطفال المستهدفين، فإن قيمتها ستصبح أكبر بكثير من مجرد خبر عابر أو مقطع متداول على مواقع التواصل الإجتماعي.
لقد فاز مصطفى لخصم بمقعد في البرلمان، و حصل على ثقة آلاف الناخبين في صفرو. لكن المفارقة الجميلة أن أول قرار لافت إرتبط بفوزه لم يكن متعلقا بمقعده و لا بمكانته الجديدة، بل بطفل يحتاج إلى سترة في الشتاء. و هنا ربما يكون المعنى الأجمل للإنتصار: أن تفرح لأن الناس اختاروك، ثم تفكر مباشرة في الناس الذين اختاروك و في أولئك الذين يحتاجون إليك، لا في نفسك وحدها.
شكرا لمصطفى لخصم على هذه الفكرة الإنسانية. شكرا لأنه ذكرنا بأن الإحتفال يمكن أن يأخذ شكلا آخر، و أن المال الذي ينفق في ساعات قليلة على مائدة و فرجة يمكن أن يتحول إلى شيء يبقى أثره في حياة إنسان. و شكرا لكل من يختار، في لحظة يكون فيها الإحتفال بنفسه أسهل الخيارات، أن يتذكر غيره.
لخصم ألغى الزردة… و ربما صنع بذلك زردة من نوع آخر؛ زردة لا تسمع فيها الموسيقى، و لا تضاء فيها المنصات، و لا تملأ فيها الموائد، و إنما تملأ فيها قلوب أطفال بشيء من الدفء و الفرح.
و هذا النوع من الإحتفال، في نظري، يستحق فعلا أن يحتفى به.




