جامعة للا أسماء بالرباط.. نموذج عالمي للتعليم الدامج وآفاق جديدة لتمكين الصم وضعاف السمع
جامعة للا أسماء بالرباط.. نموذج عالمي للتعليم الدامج وآفاق جديدة لتمكين الصم وضعاف السمع
يونس علالي
في خطوة تعكس توجه المغرب نحو تعزيز الابتكار العلمي وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم والتكوين، أشرفت صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء، رئيسة مؤسسة للا أسماء، يوم أمس الخميس بالرباط، على تدشين جامعة للا أسماء، التي تقدم نموذجاً جديداً للتعليم العالي الدامج، من خلال الجمع بين الطلبة الصم وضعاف السمع ونظرائهم من ذوي السمع الطبيعي داخل فضاء جامعي واحد.
ويجسد هذا المشروع الرائد العناية التي يوليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس للنهوض بالرأسمال البشري، وتطوير البحث العلمي، وتعزيز الإدماج الاجتماعي والمهني للأشخاص في وضعية إعاقة، بما يتيح لهم فرصاً أوسع للتعلم واكتساب المهارات والاندماج في سوق الشغل.
تتميز جامعة للا أسماء بتقديم مسارات دراسية مجانية في علوم السمع والتخصصات المرتبطة بها، من خلال أربع مدارس توفر 16 دبلوماً، تشمل مستويات تكوينية متعددة، من الشهادات المهنية إلى الماستر. كما توفر المؤسسة طاقة استيعابية تصل إلى 3500 مقعد، على أن تفتح داخلية جامعية أبوابها ابتداءً من سنة 2027 لاستقبال الطلبة القادمين من مختلف جهات المملكة وخارجها.
وتضم الجامعة مدرسة علوم السمع والتواصل وعلوم الأعصاب السريرية، التي تهتم بتكوين المتخصصين في طب السمع وتقويم النطق والعلاج السمعي اللفظي وعلم النفس السريري، إلى جانب تخصصات أخرى مرتبطة بمواكبة الأطفال والأسر وزراعة القوقعة.
كما تشمل مدرسة لغات الإشارة والترجمة الفورية والولوجيات، الموجهة لتكوين مترجمي لغة الإشارة والمدرسين المتخصصين والمهنيين في الإعلام الدامج، فضلاً عن المدرسة الدامجة للتكنولوجيات والابتكار والإبداع الرقمي، التي تتيح التكوين في المعلوميات والذكاء الاصطناعي والتصميم الغرافيكي والفن الرقمي.
وتستكمل هذه المنظومة بالمدرسة الدامجة للمهن والتكوين المهني، التي توفر فرصاً للتخصص في مجالات التصميم المعلوماتي وصناعة الحلويات والشوكولاتة والطبخ والخدمات، إضافة إلى برامج للحصول على شهادات اعتماد من شركة مايكروسوفت.
ويهدف هذا التنوع إلى تمكين الشباب من اكتساب كفاءات عملية وعلمية تفتح أمامهم آفاقاً مهنية متعددة، مع ضمان استفادة الطلبة الصم وضعاف السمع من المسارات التعليمية نفسها المتاحة لغيرهم.
وفي إطار تعزيز إشعاعها الأكاديمي وترسيخ مكانتها ضمن المؤسسات المتخصصة في علوم السمع، أبرمت الجامعة مجموعة من اتفاقيات التعاون مع مؤسسات مغربية ودولية مرموقة، من بينها المعهد الاستشفائي الجامعي «ريكونيكت» بباريس، وجامعة مونبليي الفرنسية، والجامعة الكاثوليكية بلوفان والمدرسة العليا ليونار دو فانشي والمصحات الجامعية سان لوك ببلجيكا، إضافة إلى جامعة محمد الخامس بالرباط والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.
وستمكن هذه الشراكات من تبادل الخبرات وتطوير البحث العلمي، خصوصاً في مجالات تشخيص الصمم وعلاجه، والبحث الجيني والعلاج الجيني، وطب السمع لدى الأطفال والبالغين، فضلاً عن التكوين المتخصص في زراعة القوقعة وتطوير مهن تجهيزات السمع.
كما ستساهم الشراكة مع الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في تكوين مترجمين للغة الإشارة وتأهيل كفاءات شابة للعمل في المجال السمعي البصري، إلى جانب إنتاج محتويات إعلامية أكثر إتاحة للأشخاص الصم وضعاف السمع.
وكانت المؤسسة قد أبرمت، قبل أسابيع من تدشين الجامعة، اتفاقية تعاون مع مؤسسة أكاديمية أمريكية من شيكاغو، بهدف تطوير التكوين والبحث في مجال التحليل التطبيقي للسلوك، من خلال إحداث مسلك للماستر ومختبر متخصص، وتكوين كفاءات مؤهلة في هذا المجال.
وتعزز الجامعة بنيتها الأكاديمية بسبعة مختبرات متخصصة، صممت لتوفير بيئة تجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي والابتكار.
ويشكل مختبر الابتكار فضاءً للبحث في الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية، بما في ذلك تطوير تقنيات تساعد على التواصل بلغات الإشارة. أما مختبر الحركة، فيعتمد على تقنيات التقاط الحركة لتوثيق لغة الإشارة المغربية وإنتاج شخصيات افتراضية ومحتويات تعليمية وقاموس بصري مرجعي.
وتحتضن الجامعة أيضاً مختبر الإدماج، الذي يركز على تنمية المهارات التواصلية والاجتماعية ودعم ريادة الأعمال، والمختبر الرقمي المخصص لتطوير المواقع الإلكترونية والتطبيقات والبرمجيات.
وفي الجانب الطبي والتطبيقي، توفر المؤسسة مختبراً للتشريح المتخصص في جراحة الأنف والأذن والحنجرة، يتيح التدريب على عمليات زراعة القوقعة، إلى جانب مختبر للسمع لإجراء الفحوصات وضبط الأجهزة المساعدة على السمع، ومختبر للتحليل التطبيقي للسلوك يهدف إلى تطوير مهارات مواكبة الأطفال ذوي الاحتياجات النمائية المختلفة.
وتعكس هذه التجهيزات توجهاً نحو ربط التكوين الأكاديمي بالحاجيات الفعلية للقطاع الصحي والتكنولوجي، مع إتاحة فرص للتجريب وتطوير حلول مبتكرة تسهم في تحسين جودة حياة الأشخاص الصم وضعاف السمع.
ولا تقتصر أهداف جامعة للا أسماء على تخريج متخصصين في علوم السمع والتواصل، بل تمتد إلى نشر ثقافة الولوجيات وتعزيز قدرة المؤسسات والمرافق العمومية والخاصة على استقبال الأشخاص الصم وضعاف السمع والتواصل معهم بصورة فعالة.
وفي هذا الإطار، يرتقب أن تستفيد أطر من مؤسسات بنكية وفندقية من برامج تكوينية داخل الجامعة، بهدف تحسين خدمات الاستقبال والتواصل مع الزبائن والزوار الصم. كما يشمل هذا التوجه تأهيل العاملين في المرافق الرياضية والإدارية وقطاعات الخدمات.
وتكتسي هذه المبادرات أهمية خاصة مع استعداد المغرب، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، لتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، إذ تبرز الحاجة إلى توفير خدمات ومرافق أكثر إتاحة لجميع الزوار، بمن فيهم الأشخاص الصم وضعاف السمع.
ومن المنتظر أن تساهم الجامعة في تكوين مرشدين وموظفي استقبال وأطر مهنية قادرة على استخدام لغة الإشارة وتقديم خدمات تراعي احتياجات مختلف الفئات، بما يعزز صورة المغرب كوجهة تسعى إلى ترسيخ مبادئ الاستقبال الشامل والمشاركة المتكافئة.
ويمثل تدشين الجامعة مرحلة جديدة في مسار مؤسسة للا أسماء، التي تتجه من تقديم خدمات الرعاية والمواكبة إلى تكوين الأجيال التي ستتولى مستقبلاً تقديم هذه الخدمات وتطويرها.
ويجسد هذا التحول رؤية تجعل الإدماج ممارسة يومية داخل المؤسسات التعليمية والمهنية، لا مجرد مبدأ نظري، من خلال إتاحة الفرصة للشباب، على اختلاف قدراتهم السمعية، للدراسة والعمل والإبداع جنباً إلى جنب.
وبعد قرون من تأسيس جامعة القرويين بفاس سنة 859، يواصل المغرب الاستثمار في التعليم العالي عبر نموذج جامعي متخصص يجمع بين العلوم الطبية والتكنولوجيا واللغات والمهن، ويضع الإنسان في صلب التنمية.
وهكذا، تشكل جامعة للا أسماء مشروعاً يتجاوز حدود التكوين الأكاديمي، ليؤسس لمرحلة جديدة في تعزيز تكافؤ الفرص، وتطوير الكفاءات الوطنية، وبناء مجتمع أكثر شمولاً، تكون فيه الاختلافات السمعية عائقاً أقل أمام التعلم والعمل والمشاركة في الحياة العامة.




