عاجل
أقلام حرة

شباب المغرب.. شهادات في اليد و أحلام تنتظر بابا مفتوحا

lamarocaine | | قراءة 6 د | 29 مشاهدة

شباب المغرب.. شهادات في اليد و أحلام تنتظر بابا مفتوحا

عبدالله خباز

ليست كل الشهادات مفاتيح للأبواب، و ليست كل سنوات الدراسة ضمانا للوصول إلى الوجهة التي رسمها أصحابها في مخيلتهم. ففي المغرب، يقف آلاف الشباب أمام مفارقة تستحق التأمل: سنوات طويلة من التحصيل العلمي، و امتحانات متتالية، و شهادات تنتزع بعد جهد و تضحيات، ثم واقع يضع كثيرين منهم أمام سؤال ثقيل: ماذا بعد؟ سؤال لا يبحث عن إجابة جاهزة بقدر ما يكشف عن فجوة بين أحلام الشباب و إمكانات الواقع، و بين ما ينتظره المجتمع من خريجي مؤسساته التعليمية و ما يستطيع توفيره لهم من فرص حقيقية للإندماج و العمل.

خلف كل شهادة جامعية حكاية تستحق أن تروى؛ هناك شاب غادر قريته حاملا حقيبته و أحلام أسرته، و فتاة قاومت صعوبات الدراسة لتثبت قدرتها على النجاح، و خريج قضى سنوات بين المحاضرات و البحوث و الإمتحانات، معتقدا أن اجتهاده سيكون بوابته نحو الإستقلال المادي و بناء المستقبل. لكن لحظة التخرج، التي يفترض أن تكون بداية مرحلة جديدة، تتحول لدى بعضهم إلى بداية رحلة أخرى، عنوانها البحث المتواصل عن فرصة عمل، و إرسال السير الذاتية، و اجتياز المباريات، و انتظار الردود التي قد تأتي متأخرة أو لا تأتي أبدا. و مع مرور الوقت، لا يصبح التحدي محصورا في العثور على وظيفة فحسب، بل يمتد إلى الحفاظ على الثقة بالنفس، و الإيمان بقيمة سنوات الدراسة، و القدرة على مواصلة الحلم وسط واقع لا يمنح الجميع الفرص نفسها.

و مع ذلك، فإن اختزال أزمة الشباب المغربي في البطالة وحدها لا ينصف تعقيد هذه القضية. فهناك من يعمل، لكنه لا يحصل على دخل يضمن له الحد الأدنى من الإستقرار، و هناك من يشتغل بعيدا عن تخصصه، و من يقبل أعمالا مؤقتة في انتظار فرصة أفضل، و آخرون يملكون الكفاءة و الرغبة في المبادرة، لكنهم يصطدمون بصعوبة التمويل أو غياب المواكبة أو تعقيد المساطر الإدارية. كما أن الفوارق المجالية تجعل تجربة البحث عن المستقبل مختلفة بين شاب يعيش في مدينة كبرى تتعدد فيها المؤسسات و الفرص، و آخر ينحدر من منطقة قروية أو مجال بعيد عن المراكز الإقتصادية، حيث قد يتحول الحصول على تكوين ملائم أو فرصة تدريب أو مقابلة عمل إلى رحلة مكلفة ماديا و نفسيا. و هكذا، لا يتعلق الأمر دائما بغياب الكفاءة، بل أحيانا بغياب البيئة التي تسمح لهذه الكفاءة بأن تظهر و تتحول إلى قيمة مضافة للمجتمع.

و لعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو أن الشباب لا يطلبون بالضرورة مستقبلا مفروشا بالورود، و لا ينتظرون أن تفتح أمامهم الأبواب دون جهد أو استحقاق؛ إنهم يريدون فرصا عادلة، و معايير واضحة، و مباريات تقوم على الكفاءة، و مؤسسات تنصت إلى تطلعاتهم، و سوق شغل يمنحهم إمكانية إثبات قدراتهم. فالإستحقاق لا تكون له قيمة كاملة حين تتعثر أمامه الحواجز غير المرتبطة بالكفاءة، كما أن الحديث عن تكافؤ الفرص يفقد معناه إذا ظل الإنتماء المجالي أو ضعف الإمكانات الأسرية عاملا يحد من قدرة بعض الشباب على المنافسة. و من هنا، فإن الرهان لا ينبغي أن ينحصر في رفع عدد الشهادات أو توسيع العرض التكويني، بل يتطلب أيضا ربط التكوين بحاجيات الإقتصاد، و تطوير التوجيه المهني، و تشجيع المقاولات على استقبال المتدربين و الخريجين، و تبسيط مساطر إحداث المشاريع، و توفير مواكبة حقيقية للشباب الراغبين في خلق أنشطتهم الخاصة. فالشهادة مهمة، لكنها تحتاج إلى محيط اقتصادي و اجتماعي قادر على تحويل المعرفة إلى إنتاج، و الطموح إلى إنجاز.

و في المقابل، لا يمكن إنكار أن مسؤولية بناء المستقبل لا تقع على المؤسسات وحدها؛ فالشباب أنفسهم مطالبون بالإنفتاح على مهارات جديدة، و تطوير قدراتهم الرقمية و اللغوية و التواصلية، و استثمار فرص التكوين المستمر، و عدم حصر النجاح في وظيفة واحدة أو مسار مهني تقليدي. غير أن الدعوة إلى المبادرة و الإجتهاد ينبغي ألا تتحول إلى تحميل الشباب وحدهم مسؤولية تعثرهم، أو إلى تصوير البطالة باعتبارها نتيجة حتمية لضعف الطموح أو غياب الإرادة. فالإرادة الفردية، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى فرص واقعية حتى تؤتي ثمارها، و المبادرة تحتاج إلى مناخ يشجعها، و الكفاءة تحتاج إلى مؤسسات تكتشفها و تمنحها مجالا للعمل. كما أن ريادة الأعمال ليست حلا مناسبا للجميع، و لا يمكن مطالبة كل خريج بإنشاء مقاولة في غياب التمويل و الخبرة و الضمانات الضرورية. المطلوب، إذن، هو التوازن بين مسؤولية الفرد في تطوير قدراته و مسؤولية السياسات العمومية و القطاع الخاص في توفير شروط الإندماج و الإستقرار.

إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن استمرار اتساع المسافة بين طموحات الشباب و الفرص المتاحة أمامهم ليس مجرد تأخر الحصول على العمل، بل تراجع الإحساس بجدوى الإجتهاد، و تآكل الثقة في المستقبل، و الشعور بأن سنوات الدراسة قد لا تكون كافية لضمان حياة كريمة. و حين يتسلل هذا الإحساس إلى نفوس الشباب، فإن أثره لا يتوقف عند الفرد و أسرته، بل يمتد إلى المجتمع كله؛ لأن الشباب ليسوا عبئا ينبغي تدبيره، بل طاقة بشرية و علمية و إبداعية يمكن أن تشكل رافعة للتنمية إذا أحسن الإستثمار فيها. لذلك، فإن الإنصات إلى انتظاراتهم، و إشراكهم في صياغة السياسات التي تعني مستقبلهم، و تقييم برامج التشغيل و التكوين على أساس نتائج ملموسة، ليست أمورا ثانوية، بل شروط أساسية لبناء الثقة و تحويل الوعود إلى فرص قابلة للقياس. فكل فرصة عمل تحفظ الكرامة، و كل مشروع يجد طريقه إلى التنفيذ، و كل كفاءة تمنح مجالا للإبداع، تمثل مكسبا يتجاوز صاحبها إلى محيطه و مجتمعه.

في النهاية، لا يحتاج شباب المغرب إلى خطاب يكتفي بمطالبتهم بالصبر، و لا إلى وعود تتجدد مع كل مناسبة ثم تتركهم أمام الإنتظار نفسه؛ إنهم يحتاجون إلى واقع يمنح الشهادة معناها، و يجعل الإجتهاد طريقا معقولا نحو الإستقرار، و يفتح أمام الكفاءة أبواب المنافسة النزيهة. فالشهادة التي يحملها شاب بين يديه ليست مجرد ورقة تثبت سنوات من الدراسة، بل تختصر حلما شخصيا و تضحيات أسرية و استثمارا مجتمعيا في الإنسان. و من حق هذا الشاب أن يسأل عن موقعه في وطنه، و من واجب المؤسسات أن تقدم إجابات عملية لا شعارات عابرة. إن المغرب الذي يطمح إلى تنمية أكثر عدلا و قوة يحتاج إلى شباب يثقون بأنفسهم و بمستقبلهم، و إلى سياسات تجعل هذه الثقة ممكنة. فالمشكلة ليست في أن يحمل الشباب شهادات كثيرة، بل في أن تظل أحلامهم معلقة أمام أبواب مغلقة. و حين تفتح هذه الأبواب على أساس الكفاءة و تكافؤ الفرص، لن يكون الشباب مجرد منتظرين لفرصة تأتي من بعيد، بل شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل الذي يتطلعون إليه.

" "
بقلم

lamarocaine

أضف تعليقا