عاجل
أقلام حرة

الطلاق.. حين تنهار جسور المودة داخل الأسرة، من المسؤول عن تفكك العلاقة و من يدفع الثمن؟

Rachid bouricha | | قراءة 6 د | 21 مشاهدة

عبدالله خباز –

لم يعد الطلاق مجرد قرار ينهي علاقة زوجية بين شخصين، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تعكس تحولات عميقة في بنية الأسرة، و تكشف عن تحديات نفسية و اقتصادية و ثقافية باتت تهدد استقرار العديد من العلاقات الزوجية. و بين من يراه مخرجا من حياة مليئة بالمعاناة، و من يعتبره مؤشرا على تراجع التماسك الأسري، يظل السؤال المطروح: لماذا تنتهي بعض الزيجات سريعا، بعدما بدأت بوعود الحب و الإستقرار، و هل أصبح الإنفصال الحل الأسهل أمام أولى العواصف؟

إن الزواج ليس مجرد احتفال و وعود متبادلة، بل مسؤولية مشتركة تتطلب النضج و التفاهم و الإحترام و القدرة على مواجهة صعوبات الحياة. غير أن بعض الأزواج يدخلون هذه التجربة بتوقعات مثالية، معتقدين أن المشاعر وحدها كافية لضمان الإستمرار، قبل أن يصطدموا بواقع تفرضه الإلتزامات اليومية و الإختلافات الشخصية. و عندما يغيب الحوار و تضعف القدرة على احتواء الخلافات، تتحول المشكلات البسيطة تدريجيا إلى صراعات متراكمة قد تنتهي بانفصال يصعب تدارك آثاره.

و من الأخطاء التي تعقد الحياة الزوجية اختزال أسباب الطلاق في طرف واحد، سواء تعلق الأمر بالرجل أو المرأة. فالعلاقات تختلف من حالة إلى أخرى، و قد يكون الإنفصال نتيجة تراكم الإهمال أو انعدام الثقة أو غياب المسؤولية أو سوء التواصل، كما قد يرتبط بالخيانة أو العنف أو التدخلات الخارجية. لذلك، فإن الإنصاف يقتضي الإبتعاد عن الأحكام الجاهزة، و النظر إلى كل حالة بحسب ظروفها، دون تبرير الإساءة أو تحميل أحد الطرفين مسؤولية لا تثبتها الوقائع.

و لا يمكن الحديث عن الطلاق دون التوقف عند الضغوط الإقتصادية التي تعيشها بعض الأسر، في ظل غلاء المعيشة و صعوبة توفير السكن و العمل المستقر و تزايد متطلبات الحياة. فالأزمات المالية قد تزيد التوتر داخل البيت، خصوصا عندما يغيب التخطيط المشترك و تتراكم الإلتزامات دون حلول واقعية. و مع ذلك، لا يعني الفقر بالضرورة انهيار الزواج، كما أن الثراء لا يضمن نجاحه؛ فالعامل المادي يتداخل مع عوامل أخرى، أبرزها التفاهم و التضامن و القدرة على تدبير الأزمات.

و من جهة أخرى، ساهمت بعض التحولات الإجتماعية و التكنولوجية في تغيير طبيعة العلاقات الزوجية، إذ أصبحت مواقع التواصل الإجتماعي مجالا للمقارنة المستمرة، و قد تتحول أحيانا إلى مصدر للشك و فقدان الثقة و انتهاك الخصوصية. كما قد يؤدي تدخل أفراد العائلتين في الخلافات إلى تضخيمها، بدل المساعدة على حلها. و لا يعني ذلك أن التكنولوجيا أو الأسرة الممتدة مسؤولتان عن الطلاق في حد ذاته، بل إن المشكلة تكمن في سوء الإستخدام و غياب الحدود الواضحة التي تحمي استقلالية العلاقة الزوجية.

لكن الخاسر الأكبر في كثير من حالات الطلاق يظل الطفل، الذي يجد نفسه أحيانا وسط صراعات لم يخترها، و قد يتحول إلى وسيلة للضغط أو الإنتقام بين والديه. إن الأطفال يحتاجون إلى الإستقرار العاطفي و الشعور بالأمان، و ليس إلى إجبارهم على الإنحياز إلى أحد الطرفين. و مع ذلك، ينبغي ألا يتحول الحفاظ على الأسرة إلى مبرر لاستمرار العنف أو الإهانة؛ فقد يكون الإنفصال المنظم، في بعض الحالات، أقل ضررا من العيش داخل بيت تسوده الصراعات المستمرة.

و للحد من أسباب الطلاق، ينبغي أن تبدأ المعالجة قبل الزواج، من خلال تعزيز ثقافة التأهيل الأسري و توعية المقبلين على الزواج بحقوقهم و واجباتهم، و مساعدتهم على فهم طبيعة الحياة المشتركة و متطلباتها النفسية و الإجتماعية و الإقتصادية. كما ينبغي ترسيخ ثقافة الحوار و إدارة الخلافات و تقاسم المسؤوليات، حتى لا يدخل الزوجان هذه التجربة بتصورات متناقضة تتحول لاحقا إلى أسباب للتوتر و الإنفصال.

و من الحلول المهمة أيضا توفير خدمات الإرشاد و الوساطة الأسرية، بما يسمح للأزواج بمعالجة خلافاتهم في مراحلها الأولى، قبل أن تتحول إلى قطيعة يصعب تجاوزها. و يمكن للمختصين مساعدة الطرفين على فهم أسباب النزاع و البحث عن حلول واقعية تحفظ الحقوق و الكرامة. غير أن المصالحة لا ينبغي أن تكون إجبارية، و لا أن تستخدم للضغط على ضحايا العنف من أجل البقاء في علاقات تهدد سلامتهم، بل يجب أن تراعي ظروف كل حالة و تضع الحماية في مقدمة الأولويات.

كما أن الحد من هشاشة الأسرة يتطلب سياسات اجتماعية و اقتصادية تساعد على توفير فرص الشغل و السكن اللائق و الدعم للأسر التي تواجه صعوبات مالية، إلى جانب تحسين الولوج إلى خدمات الدعم النفسي و الإجتماعي. فالإستقرار الأسري لا يتحقق بالوعظ وحده، بل يحتاج أيضا إلى ظروف تساعد الأزواج على مواجهة أعباء الحياة. و تتحمل المؤسسات التعليمية و الإعلامية و المجتمع المدني مسؤولية المساهمة في نشر ثقافة أسرية متوازنة تقوم على الإحترام و المساواة في الحقوق و الواجبات و تحمل المسؤولية.

و في السياق المغربي، تفرض التحولات الإجتماعية و الإقتصادية المتسارعة التعامل مع الطلاق باعتباره ظاهرة متعددة الأسباب، بعيدا عن اختزاله في تراجع القيم أو تحميل النساء أو الرجال مسؤولية جماعية. كما تبرز الحاجة إلى الإستناد إلى إحصائيات موثوقة و دراسات ميدانية لفهم الأسباب الأكثر حضورا، و تقييم نجاعة التدابير المعتمدة، و تطوير آليات الوقاية و المواكبة. فالمعالجة الفعالة تبدأ بالتشخيص الدقيق، و لا يمكن بناء حلول ناجعة على الإنطباعات أو الأحكام المسبقة.

و من الضروري كذلك تغيير النظرة الإجتماعية إلى المطلقين و المطلقات، إذ لا ينبغي أن يتحول انتهاء الزواج إلى وصمة تلاحق الإنسان أو حكما على أخلاقه و قدرته على بناء حياة جديدة. فالطلاق لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين سيئ، مثلما أن استمرار الزواج لا يعني دائما أنه ناجح. و قد يكون الإنفصال قرارا صعبا لكنه ضروري عندما تستحيل الحياة المشتركة، شرط احترام الحقوق و حماية الأطفال و تجنب التشهير و الإنتقام.

إن مواجهة ظاهرة الطلاق لا تكون بتخويف الناس من الإنفصال، و لا بإجبارهم على الإستمرار في علاقات مؤذية، و إنما ببناء علاقات زوجية أكثر نضجا، و تعزيز الحوار، و توفير الدعم للأسر، و حماية كرامة جميع الأطراف. فالزواج الناجح ليس علاقة تخلو من الخلافات، بل شراكة يستطيع فيها الطرفان تجاوز الصعوبات باحترام و تفاهم و مسؤولية. فالأسرة لا تحمى بمجرد بقاء أفرادها تحت سقف واحد، و إنما تحمى حين يجدون داخل ذلك السقف الأمان و المودة و الكرامة؛ لأن البيت الذي يغيب عنه الإحترام قد يتحول إلى مساحة للمعاناة بدل أن يكون ملاذا للطمأنينة.

" "
بقلم

Rachid bouricha

أضف تعليقا