عاجل
أقلام حرة

تسقيف أسعار المحروقات.. بين قرار ينتظره المواطنون و مصالح ترفض الإنصياع

عبد الحق منار | | قراءة 3 د | 5 مشاهدة

عبدالله خباز –

منذ سنوات، لم يعد الحديث عن أسعار المحروقات في المغرب مجرد نقاش إقتصادي يهم المختصين وحدهم، بل تحول إلى قضية مجتمعية بامتياز تمس الحياة اليومية للملايين من المواطنين. فكل ارتفاع في أسعار الغازوال و البنزين لا ينعكس فقط على فاتورة التنقل، بل يمتد تأثيره إلى أسعار المواد الغذائية و الخدمات و النقل و الإنتاج، ليصبح المواطن البسيط في النهاية الحلقة الأضعف في معادلة معقدة تتداخل فيها اعتبارات الإقتصاد و السياسة و المنافسة و العدالة الإجتماعية.

و خلال الأيام الأخيرة، عاد ملف تسقيف أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، خاصة بعد الجدل الذي رافق موقف الأغلبية الحكومية من هذا الإجراء، و ما أثاره ذلك من ردود فعل سياسية و شعبية واسعة. و بين مؤيد يرى في التسقيف ضرورة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، و معارض يعتبره تدخلا قد يربك آليات السوق و المنافسة، يبقى المواطن المغربي هو الطرف الأكثر اهتماما بالنتيجة النهائية، لأنه المتأثر الأول و الأخير بأي قرار أو تردد في اتخاذ القرار.

في جوهر النقاش، يطرح أنصار التسقيف سؤالا بسيطا و مباشرا: إذا كانت أسعار المحروقات تؤثر على كل القطاعات الإقتصادية و الإجتماعية، فلماذا لا يتم وضع سقف يحول دون الإرتفاعات المبالغ فيها و يحمي الأسر من تقلبات السوق الدولية؟ و يستند هذا الطرح إلى واقع يعيشه المغاربة يوميا، حيث أصبحت كلفة المعيشة تشكل عبئا متزايدا على فئات واسعة من المجتمع، خاصة أصحاب الدخل المحدود و المتوسط الذين يجدون أنفسهم أمام ارتفاع متواصل في مختلف النفقات دون أن يواكبه تحسن مماثل في المداخيل.

في المقابل، يرى الرافضون للتسقيف أن السوق الحرة تقوم أساسا على المنافسة، و أن أي تدخل مباشر في تحديد الأسعار قد يؤدي إلى نتائج عكسية، منها إضعاف الإستثمار أو التأثير على توازنات القطاع. كما يؤكدون أن الأسعار ترتبط بعوامل دولية متعددة، من بينها أسعار النفط الخام و تكاليف النقل و التخزين و الضرائب، و أن الحلول ينبغي أن تكون شاملة و مستدامة بدل الإقتصار على إجراءات ظرفية.

غير أن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في الجدل التقني حول آليات التسعير، بل في أزمة الثقة التي أصبحت تطبع نظرة جزء مهم من الرأي العام إلى هذا الملف. فالمواطن الذي يراقب تراجع أسعار النفط عالميا دون أن يلمس في بعض الأحيان انخفاضا مماثلا بالسرعة نفسها على مستوى محطات التوزيع، يتساءل عن مدى انعكاس المنافسة الحقيقية على الأسعار، و عن الجهة التي تحمي مصالح المستهلك و تضمن له الإستفادة من أي تراجع في التكاليف الدولية.

إن المغاربة اليوم لا ينتظرون فقط قرارا سياسيا أو اقتصاديا بعينه، بل ينتظرون وضوحا أكبر في تدبير هذا الملف الحساس، و شفافية أكبر في تحديد الأسعار، و آليات أكثر فعالية لحماية القدرة الشرائية. فالمواطن لا يعنيه كثيرا الجدل النظري بين منطق السوق و منطق التدخل، بقدر ما يعنيه أن يتمكن من التنقل و العمل و العيش الكريم دون أن تتحول أسعار المحروقات إلى مصدر دائم للقلق و الإستنزاف.

و في النهاية، يبقى ملف المحروقات اختبارا حقيقيا لقدرة مختلف المؤسسات على تحقيق التوازن بين متطلبات الإقتصاد و حقوق المواطنين. فالسوق القوية لا تقاس فقط بحرية الأسعار، بل أيضا بقدرتها على تحقيق العدالة و الإنصاف و حماية الفئات الأكثر هشاشة. و بين التسقيف و عدم التسقيف، يظل المطلب الشعبي الأكثر وضوحا هو أن يشعر المواطن بأن السياسات العمومية تنحاز إلى معاناته اليومية و تضع القدرة الشرائية في صلب الأولويات، لأن الإستقرار الإقتصادي و الإجتماعي لا يبنى بالأرقام وحدها، بل بثقة المواطن في أن صوته و همومه حاضران في كل قرار يتعلق بلقمة عيشه و مستقبل أسرته.

بقلم

عبد الحق منار

أضف تعليقا