عاجل
أقلام حرة

الهروب من الواقع… عندما تصبح الحياة مجرد شاشة

محمد خـــــابة | | قراءة 2 د | 46 مشاهدة

زاوية الرأي

الهروب من الواقع… عندما تصبح الحياة مجرد شاشة

 

الإعلامي محمد فتاح

 

لسنا أمام أزمة هواتف، ولا أمام معركة مع التكنولوجيا، بل أمام تحول هادئ أصاب الإنسان نفسه. تحول جعل الكثيرين يعيشون الحياة من وراء شاشة، ويكتفون بمراقبة العالم بدل أن يكونوا جزءاً منه.

من المؤسف أن يصبح الهاتف أول ما نلمسه عند الاستيقاظ، وآخر ما نفارقه قبل النوم. وبين اللحظتين، تضيع ساعات طويلة في متابعة تفاصيل لا تضيف إلى حياتنا شيئاً، سوى مزيد من التشتت، ومزيد من المقارنات، ومزيد من الإحساس بأن حياة الآخرين أجمل من حياتنا.

لقد نجحت منصات التواصل في إقناع الملايين بأن السعادة تُقاس بعدد الإعجابات، وأن النجاح يُختصر في عدد المتابعين، وأن الظهور أهم من الجوهر. وهكذا، وجد كثيرون أنفسهم يطاردون صورة مثالية لا وجود لها إلا داخل الشاشات.

الأخطر من ذلك، أن هذا الهروب من الواقع لم يعد يقتصر على فئة الشباب. لقد امتد إلى مختلف الأعمار، حتى أصبحنا نرى أسرة كاملة تجلس حول مائدة واحدة، لكن كل فرد يعيش في عالم مختلف. الأجساد حاضرة… أما الأرواح فموزعة بين التطبيقات والإشعارات.

لا أحد يطالب بالعودة إلى زمن مضى، ولا أحد ينكر أن التكنولوجيا سهلت حياتنا وفتحت أبواباً واسعة للعلم والعمل والتواصل. لكن ما يدعو إلى القلق هو أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح الواقع عبئاً نحاول الهروب منه، بدل أن نبحث عن طرق لتغييره.

واش حنا كنعيشو الحياة… ولا غير كنتفرجو فيها؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يكشف حجم التحول الذي نعيشه. فالحياة ليست صورة تُنشر، ولا مقطع فيديو يحصد آلاف المشاهدات، ولا تعليقاً ينتظر الإعجاب. الحياة تُعاش بالمواقف، بالعلاقات الإنسانية، بالعمل، وبالقدرة على مواجهة الواقع مهما كان قاسياً.

قد يكون الهروب إلى العالم الافتراضي مريحاً لبعض الوقت، لكنه لا يبني أسرة، ولا يطور مجتمعاً، ولا يصنع مستقبلاً. الأوطان لا تتقدم بكثرة المتابعين، بل بكثرة الفاعلين. والإنسان لا يقاس بما يظهره على الشاشة، بل بما يتركه من أثر في الواقع.

إن أخطر أنواع الهروب ليس ذلك الذي يدفع صاحبه إلى مغادرة المكان، بل الذي يجعله يغادر ذاته وهو ما يزال في المكان نفسه.

بقلم

محمد خـــــابة

أضف تعليقا