عاجل
جمعيات وثقافة وفن

نغيب… ويبقى الوطن».. حين يتحول الانتماء إلى قصيدة تسكن القلب

Rachid bouricha | | قراءة 7 د | 221 مشاهدة

عبد المجيد العزيزي –

تكتب الزجالة زبيدة طويل في نصها «نغيب… ويبقى الوطن» عن الوطن، لكنها لا تكتبه بوصفه مفهومًا سياسيًا أو جغرافيًا مجردًا، وإنما تستعيده من المناطق الأكثر حميمية في التجربة الإنسانية: الدمعة، والحنين، والنبض، والأم، والأب، والطفولة، ورائحة الأرض بعد المطر.

ومن هنا تكمن خصوصية النص؛ فالوطن في هذه القصيدة لا يقف خارج الإنسان، بل يسكن داخله. إنه ليس مكانًا نعود إليه فقط، وإنما ذاكرة ترافقنا حيثما ذهبنا.

يفتتح النص بعبارة شديدة التكثيف:

«كلُّ دمعةٍ في العينِ وطن
وكلُّ غصّةٍ في القلبِ وطنْ»

ويبدو التكرار هنا أكثر من مجرد وسيلة إيقاعية؛ إنه يتحول إلى تقنية شعرية مركزية. فكلما تكررت كلمة «وطن»، اتسعت دلالتها. الوطن يبدأ دمعة، ثم غصة، ثم حنينًا، ثم نبضًا وحلمًا ودعاءً، إلى أن يصبح في النهاية كيانًا وجدانيًا شاملاً.

وهذا التكرار يمنح النص إيقاعًا داخليًا قائمًا على الإصرار والتوكيد، وكأن الشاعرة لا تريد للقارئ أن يمر سريعًا أمام كلمة «وطن»، بل تدفعه إلى اكتشافها في كل تفصيل من تفاصيل الحياة.

الوطن بوصفه ذاكرة

من أبرز عناصر القوة في النص أن الشاعرة لا تتعامل مع الوطن باعتباره حدودًا وخارطة فقط، بل تعيد تعريفه من خلال الذاكرة.

تقول:

«وطني ليسَ خارطةً وحدوداً
ولا اسماً نردّدهُ في المناسباتْ»

هذه الجملة تشكل مفتاحًا أساسيًا لفهم النص كله. فهي تنقل مفهوم الوطن من الخارج إلى الداخل، ومن الجغرافيا إلى الوجدان.

الوطن هنا ليس مجرد أرض، وإنما ما تتركه الأرض في الإنسان من ذكريات وعلاقات وروائح وأصوات ووجوه. ولذلك تأتي صورة الأم والأب والطفل والإنسان في المقطع التالي لتوسّع الدلالة:

«وطني أمٌّ تسكنُ في دعائنا
وأبٌ ينامُ في ذاكرةِ التراب
وطفلٌ يحلمُ بغدٍ أجمل
وإنسانٌ يزرعُ الخيرَ حيثُ استطاع.»

إنها صورة رباعية تجمع الماضي والحاضر والمستقبل: الأب يمثل الجذور والذاكرة، والأم تمثل الحنان والدعاء، والطفل يمثل المستقبل، والإنسان يمثل الفعل والمسؤولية.

وبذلك لا يصبح الوطن مجرد عاطفة، بل يتحول أيضًا إلى مسؤولية أخلاقية؛ فالانتماء الحقيقي، وفق منطق النص، لا يكتمل بالقول، وإنما يتجسد في «زرع الخير».

من الوطن المجرد إلى الوطن اليومي

تنجح الشاعرة كذلك في الاقتراب من الوطن عبر التفاصيل الصغيرة، وهي من أكثر العناصر قدرة على صناعة الصدق الشعري.

تقول:

«وطني في خبزِ أمي
في رائحةِ الأرضِ بعد المطر
في أزقةِ طفولتي
في ضحكةِ الناسِ رغم التعب»

هنا تتحول الأشياء اليومية إلى علامات وطنية. الخبز ليس مجرد طعام، ورائحة الأرض ليست مجرد رائحة، والأزقة ليست مجرد أماكن، والضحكة ليست مجرد لحظة عابرة؛ كل هذه التفاصيل تصبح خزائن للذاكرة.

وهذا النوع من الكتابة يجعل الوطن قريبًا من القارئ، لأنه لا يقدمه في صورة مثالية بعيدة، وإنما يستدعيه من حياته الخاصة. فكل قارئ يستطيع أن يجد في «خبز الأم» أو «أزقة الطفولة» أو «رائحة المطر» جزءًا من وطنه الشخصي.

الوطن والإنسان

لا تقف القصيدة عند حدود الحنين، بل تفتح سؤالًا آخر: ماذا يعني أن ننتمي إلى وطن؟

الإجابة تأتي بصورة واضحة:

«وفي كلِّ يدٍ تمتدُّ لتبني
بدلَ أن تهدم»

وهنا ينتقل النص من العاطفة إلى القيمة. فالوطن الذي تحبه الشاعرة هو الوطن الذي يُبنى، والذي تكون فيه اليد وسيلة للعطاء لا للهدم.

هذه الثنائية بين «تبني» و«تهدم» تمنح النص بعدًا أخلاقيًا واجتماعيًا، وتجعل الوطنية ممارسة يومية وليست مجرد خطاب عاطفي.

«نحن» بدل «أنا»

من التحولات المهمة داخل النص انتقال الشاعرة من الذات الفردية إلى الجماعة.

في البداية نواجه «أنا» الشاعرة وحروفها وقصائدها ووجدانها، ثم نصل إلى:

«نحنُ الحكايةُ إذا اتحدتْ قلوبُنا
ونحنُ القصيدةُ إذا صانَ بعضُنا بعضاً»

وهنا تتسع دائرة الوطن لتشمل الآخرين.

فالوطن لا يصنعه الفرد وحده، وإنما تصنعه علاقة الأفراد بعضهم ببعض. ولذلك فإن عبارة «إذا صان بعضنا بعضًا» تحمل دلالة تتجاوز المحبة إلى التضامن والمسؤولية المشتركة.

إنها تنقل مفهوم الوطنية من الشعور إلى السلوك: أن نحمي بعضنا، وأن نحفظ كرامة بعضنا، وأن نختار البناء بدل الهدم.

الحنين بوصفه قوة لا ضعفًا

الحنين حاضر بقوة في النص، لكنه ليس حنينًا سلبيًا يكتفي بالبكاء على الماضي.

تقول الشاعرة:

«وإن ضاقت بنا الدنيا
نوسّعُها بحبِّ الوطن»

ثم:

«وإن انكسرنا
نُرمّمُ أرواحنا بالانتماء»

هنا يصبح الانتماء طاقة لمواجهة الانكسار. وهذه واحدة من أهم الدلالات النفسية في القصيدة؛ فالوطن يتحول إلى مساحة لاستعادة التوازن، وإلى ذاكرة تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار.

ومن ثم فالحنين ليس هروبًا من الحاضر، بل طريقة لاستعادة المعنى.

مفارقة الغياب والبقاء

العنوان «نغيب… ويبقى الوطن» يلخص المفارقة الأساسية التي يقوم عليها النص.

الإنسان يغيب، يرحل، تتغير ظروفه، وقد تفصله المسافات عن المكان، لكن الوطن يظل حاضرًا فيه:

«وإن غادرنا يوماً
يبقى الوطنُ فينا
أينما حللنا وارتحلنا»

إنها مفارقة تقوم على ثنائية المكان والإنسان: قد يغادر الإنسان المكان، لكن المكان لا يغادر الإنسان بالسهولة نفسها.

وفي الخاتمة تتكرر الثنائية:

«نغيبُ… ويبقى الوطن
نرحلُ… ويبقى الوطن»

والتكرار هنا يؤدي وظيفة ختامية؛ إذ يعيد القارئ إلى الكلمة التي حكمت النص منذ بدايته، وكأن القصيدة تبدأ بالوطن وتنتهي به، بينما الإنسان هو العابر بين نقطتي البداية والنهاية.

الرمز في القصيدة

تستند الشاعرة إلى مجموعة من الرموز البسيطة والواضحة: الأم، الأب، الطفل، الأرض، المطر، الخبز، الطفولة، الراية.

ولا تعتمد هذه الرموز على الغموض، بل على قدرتها على استدعاء ذاكرة مشتركة.

الأم ترمز إلى الحنان والجذور، والأب إلى الذاكرة والأصل، والطفل إلى المستقبل، والأرض إلى الانتماء، والمطر إلى التجدد، والخبز إلى الحياة اليومية، والراية إلى الوطن في بعده الرمزي والجماعي.

وبذلك تبني القصيدة وطنًا متعدد الطبقات: وطن الأسرة، ووطن الذاكرة، ووطن الأرض، ووطن المستقبل، ووطن الإنسان.

الإيقاع والتكرار

النص لا يتأسس على وزن خليلي صارم بالمعنى التقليدي، وإنما يعتمد بدرجة كبيرة على الإيقاع الداخلي، وعلى التكرار، وعلى التوازي بين الجمل.

وتتكرر بنية «كل… وطن»، ثم «وطني…»، ثم «نحن…»، ثم «نغيب… ويبقى الوطن».

وهذه الحركة تمنح النص مسارًا تصاعديًا:

الدمعة → القلب → النبض → الحلم → القصيدة → الأسرة → الأرض → الإنسان → الانتماء → الوطن.

وهكذا يبدأ الوطن من إحساس صغير داخل الإنسان، ثم يتسع تدريجيًا حتى يصبح فكرة جامعة.

الخاتمة: الوطن باعتباره بداية ونهاية

في آخر النص تقول الشاعرة:

«فالوطنُ ليسَ نهايةَ الحكاية
الوطنُ أولُها وآخرُها»

وهذه العبارة تختزل فلسفة القصيدة. فالوطن ليس محطة يصل إليها الإنسان في نهاية الطريق، وإنما هو جزء من تكوينه منذ البداية.

ولهذا تأتي النهاية:

«ويبقى فينا
ونبقى فيه.»

إنها خاتمة تقوم على التبادل: الوطن يسكن الإنسان، والإنسان يسكن الوطن. وبين الفعلين «يبقى» و«نبقى» تتشكل علاقة متبادلة بين المكان والإنسان، بين الذاكرة والوجود، وبين الأرض ومن يحملها في قلبه.

إن «نغيب… ويبقى الوطن» ليست قصيدة عن الوطن بمعناه المجرد فقط، بل هي قصيدة عن كيفية تشكل الوطن داخل الإنسان. وهي تستمد قوتها من اعتمادها على التفاصيل الحميمة، ومن تحويل الأشياء البسيطة إلى علامات للانتماء، ومن جعل الوطنية فعلًا أخلاقيًا يقوم على البناء وصون الآخر.

وإذا كان الإنسان يستطيع أن يبتعد عن وطنه بالجسد، فإن النص يصر على أن المسافة لا تستطيع بالضرورة أن تفصل الإنسان عن ذاكرته؛ فالوطن، في النهاية، ليس فقط المكان الذي نعيش فيه، وإنما أيضًا المكان الذي يعيش فينا.

وهنا تتحول العبارة الأخيرة إلى خلاصة شعرية وفلسفية للنص كله:

نغيب… ويبقى الوطن.
ونرحل… ويبقى فينا.
ونبقى فيه.

زبيدة طويل — 20 غشت 2026

" "
بقلم

Rachid bouricha

أضف تعليقا