عاجل
جمعيات وثقافة وفن

«نموت نموت ويحيا الوطن».. قراءة نقدية في قصيدة «الوطن» للزجالة زبيدة طويل

Rachid bouricha | | قراءة 4 د | 51 مشاهدة

عبد المجيد العزيزي –

في زمن تتعدد فيه القصائد التي تتغنى بالوطن، تبقى القيمة الحقيقية للنص الشعري في قدرته على منح فكرة الوطن روحًا خاصة، وهو ما يتجلى في قصيدة «الوطن» للزجالة والشاعرة زبيدة طويل، التي تقدم من خلالها رؤية وجدانية تجعل الوطن حاضرًا في الحب والأم والأرض واللغة والدين والدم، بل وفي الحياة والموت.

 

تبدأ القصيدة من بناء بسيط في لغته، لكنه عميق في دلالته:

الحب وطن

الأم وطن

الأرض وطن

 

فالوطن هنا لا يقتصر على حدود مرسومة أو مساحة جغرافية، بل يتحول إلى حالة وجودية تسكن الإنسان. فالحب وطن، والأم وطن، والأرض وطن، لأن الانتماء في تصور الشاعرة لا ينفصل عن المشاعر الأولى التي تمنح الإنسان هويته ووجوده.

ويتسع هذا الفضاء الدلالي في مقاطع أخرى من القصيدة، حين تقول الشاعرة إن الخلف وطن والسلف وطن، وتحت الأرض وطن وفوق الأرض وطن وما بينهما وطن. وهي صياغة تقوم على الامتداد الشامل لفكرة الوطن، باعتباره ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، وحياةً وموتًا، وذاكرةً وانتماءً.

 

تكرار «وطن».. من الكلمة إلى الإيقاع

يشكل التكرار أحد أبرز العناصر الفنية في النص، إذ تتكرر كلمة «وطن» بكثافة، غير أن هذا التكرار لا يبدو اعتباطيًا، بل يتحول إلى إيقاع داخلي وإلى تأكيد شعوري متصاعد.

فكلما أعادت الشاعرة الكلمة، بدا وكأنها تكتشف وجهًا جديدًا للوطن، وكأن الوطن أكبر من تعريف واحد. وهنا يكتسب التكرار وظيفة شعرية، إذ يحول الكلمة من مجرد اسم إلى نغمة وإيقاع وإحساس.

وتبلغ القصيدة درجة عالية من الوجدان في استحضار النشيد الوطني المغربي، في إشارة إلى أن «منبت الأحرار» لا يُردد باللسان فقط، بل يسكن القلب والروح، باعتباره جزءًا من الذاكرة الجماعية للمغاربة.

 

الوطن روح في الحياة وكفن في الموت

من الصور اللافتة في القصيدة قول الشاعرة:

هو لنا الحضن، إن أحياء فهو الروح، وإن أمواتًا هو الكفن

 

في هذه الصورة يرافق الوطن الإنسان في مرحلتي الوجود. فهو الروح والحضن في الحياة، وهو الكفن بعد الموت. إنها صورة تختزل معنى الانتماء الكامل؛ فلا يغادر الإنسان وطنه في حياته، ولا ينفصل عنه حتى بعد رحيله.

وتتجلى هذه الفكرة بقوة في المقطع الذي تؤكد فيه الشاعرة أن الموت من أجل الوطن ليس نهاية، بل استمرار لمعنى الشرف والوفاء.

لا تبقى القصيدة في مستوى التجريد، بل تنتقل إلى خصوصية الهوية المغربية، من خلال الاعتزاز بالانتماء والوحدة والكرامة:

 

مغاربة أحرار لا نعرف خديعة أو غبن

هنا يتحول صوت الشاعرة من «الأنا» إلى «النحن»، وتصبح القصيدة صوتًا جماعيًا يستحضر الذاكرة المغربية وقيم الحرية والشرف والدفاع عن الوطن.

كما يحمل النص نبرة وطنية صريحة، خاصة في حديثه عن الدفاع والمقاومة والتضحية، حيث لا يكتفي بتصوير الوطن موضوعًا للحب، بل يقدمه قضية تستحق الصبر والعطاء والثبات.

 

«نموت نموت ويحيا الوطن».. خلاصة القصيدة

تصل القصيدة إلى ذروتها في خاتمتها:

نموت نموت ويحيا الوطن

 

وهي عبارة تختزل جوهر النص كله. فالفرد فانٍ، أما الوطن فباقٍ؛ وقد يرحل الإنسان، لكن ما يتركه من انتماء وتضحية يبقى جزءًا من ذاكرة الوطن.

إنها خاتمة تحمل نفسًا وطنيًا قويًا، وتجعل من القصيدة إعلانًا شعريًا عن تقديم الوطن على الذات، وعن ارتباط الكرامة الفردية بكرامة الجماعة والوطن.

قصيدة «الوطن» للزجالة زبيدة طويل هي قصيدة انتماء ووفاء، تقوم على تكرار مؤثر وصور وجدانية ذات نفس وطني واضح. وقد نجحت الشاعرة في تحويل الوطن من مفهوم سياسي وجغرافي إلى معنى إنساني وروحي شامل، يسكن الحب والأم والأرض واللغة والدم والذاكرة.

والقصيدة، في عمقها، لا تسأل: ما هو الوطن؟ بقدر ما تقدم إجابة شعرية واضحة: الوطن هو ما يسكن الإنسان، ويصنع ذاكرته، ويمنحه هويته، ويظل حاضرًا فيه حتى النهاية.

ومن هنا، فإن قول الشاعرة:

«نموت نموت ويحيا الوطن»

لا يمثل مجرد خاتمة للقصيدة، بل يلخص رؤية كاملة للوطن باعتباره قيمة أكبر من الفرد، وأبقى من العمر، وأقرب إلى الروح.

بقلم

Rachid bouricha

أضف تعليقا