عاجل
المغربية الوطنية

سبتة ومليلية والجزر المغربية تحت السيادة الإسبانية.. حين تتحدث مدريد عن التحرر وتتجاهل استعمارها في شمال إفريقيا

عبد الحق منار | | قراءة 11 د | 221 مشاهدة

رشيد بوريشة –

إسبانيا تدعم فلسطين وتتحدث عن القانون الدولي.. لكن على الضفة الجنوبية للمتوسط ما تزال أراضٍ مغربية ترزح تحت الإدارة الإسبانية

في الوقت الذي تحرص فيه إسبانيا، ملكاً وحكومة، على تقديم نفسها باعتبارها دولة أوروبية ديمقراطية تدافع عن حقوق الشعوب، وتتبنى خطاباً داعماً للقضية الفلسطينية ولحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، تظل أمام المغرب قضية أخرى لا تقل ارتباطاً بمبادئ التحرر وتصفية الاستعمار: سبتة ومليلية وعدد من الجزر والصخور المغربية التي ما تزال خاضعة للإدارة والسيطرة الإسبانية.

ومن المنظور المغربي، لا يتعلق الأمر بحدود عادية بين دولتين، وإنما بملف تصفية إرث استعماري أوروبي لم يُغلق بالكامل في شمال إفريقيا.

فالمغرب يعتبر سبتة ومليلية والجزر والصخور التابعة لها أراضي مغربية واقعة تحت الاحتلال الإسباني، ويعتبر استرجاعها جزءاً من استكمال وحدته الترابية.

خلال السنوات الأخيرة، اتخذت مدريد مواقف متقدمة نسبياً تجاه القضية الفلسطينية.

فالحكومة الإسبانية أعلنت في ماي 2024 الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين، وجعلت من حل الدولتين واحترام القانون الدولي ووقف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية عناصر أساسية في خطابها السياسي.

وقدمت مدريد نفسها في هذا الملف باعتبارها دولة أوروبية تؤمن بأن للشعوب الحق في تقرير مصيرها، وأن الاحتلال لا يمكن أن يكون أساساً دائماً للسلام.

إذا كان الاحتلال مرفوضاً عندما يتعلق الأمر بفلسطين، فلماذا لا ينطبق المبدأ نفسه على الأراضي المغربية الواقعة تحت السيطرة الإسبانية؟

قد تجيب مدريد بأن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان، وأن وجودها فيهما يعود إلى قرون، وأن وضعهما مختلف عن الأراضي الفلسطينية.

لكن هذا الجواب لا يلغي جوهر المسألة من وجهة النظر المغربية:

الموقع الجغرافي والتاريخي لسبتة ومليلية يؤكد أنهما تقعان في شمال إفريقيا، على التراب المغربي، وأن وجود إسبانيا فيهما هو نتيجة توسع أوروبي استعماري قديم.

من منظور الرباط، لا يمكن فصل سبتة ومليلية عن تاريخ المغرب.

فسبتة تقع على الساحل الشمالي للمغرب، عند مدخل البحر المتوسط، بينما تقع مليلية على الساحل المتوسطي المغربي.

ومع أن مدريد تفرض سيادتها وإدارتها على المدينتين منذ قرون، فإن المغرب لم يعترف بالتخلي عنهما، وظلت قضية المدينتين حاضرة في الذاكرة السياسية والوطنية المغربية.

كما أن النزاع لا يقتصر على سبتة ومليلية. فهناك عدد من الجزر والصخور والمواقع الساحلية الصغيرة التي تسيطر عليها إسبانيا قبالة الساحل المغربي، من بينها جزر الجعفرية، وصخرة الحسيمة، وصخرة باديس.

وتعترف المصادر الإسبانية نفسها بوجود هذه المواقع ضمن الأراضي التي تديرها إسبانيا في شمال إفريقيا.

وهكذا نجد أنفسنا أمام وضع جغرافي شديد الخصوصية: أراضٍ تقع في القارة الإفريقية، بمحاذاة الساحل المغربي، لكنها تدار من طرف دولة أوروبية.

ومن هنا يأتي التوصيف المغربي لها باعتبارها أراضي مغربية محتلة.

يستند الخطاب المغربي إلى تاريخ طويل من الوجود الأوروبي في شمال إفريقيا.

فإسبانيا لم تكن مجرد دولة جارة للمغرب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، بل كانت قوة استعمارية رئيسية في المنطقة.

وقد امتد النفوذ الإسباني إلى مناطق واسعة من شمال المغرب، قبل أن ينتهي نظام الحماية والاستعمار المباشر في منتصف القرن العشرين.

لكن انتهاء الحماية الإسبانية لم يعنِ، بالنسبة للمغرب، انتهاء الوجود الإسباني في كل الأراضي المغربية.

فبقيت سبتة ومليلية وعدد من الجزر والصخور تحت الإدارة الإسبانية. وهنا تحديداً تكمن القضية التي يثيرها المغرب منذ عقود.

ومن المنظور المغربي، فإن إنهاء الاستعمار يجب أن يكون شاملاً، وليس انتقائياً.

وعندما يتعلق الأمر بتاريخ إسبانيا في شمال إفريقيا، فإن الصحراء الغربية تمثل دليلاً لا يمكن تجاهله.

فالأمم المتحدة توثق أن الصحراء الغربية أُدرجت منذ سنة 1963 ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بعد أن كانت إسبانيا قد قدمت للأمم المتحدة معلومات حول ما كان يعرف بـ«الصحراء الإسبانية».

وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن الصحراء الغربية أصبحت مستعمرة إسبانية سنة 1884، وأن إسبانيا كانت القوة المديرة للإقليم عندما أُدرج في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

وفي 26 فبراير 1976، أعلنت إسبانيا إنهاء وجودها في الإقليم وتخلت عن مسؤولياتها هناك. لكن هذه الصفحة من التاريخ لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة المغربية. فالدولة التي كانت تمارس الاستعمار في شمال إفريقيا حتى النصف الثاني من القرن العشرين، وتدير الصحراء الإسبانية، لا يمكن فصل تاريخها الاستعماري عن استمرار سيطرتها على سبتة ومليلية والجزر والصخور الموجودة على الساحل المغربي.

المفارقة التي تستحق النقاش هي أن مدريد أصبحت من أكثر العواصم الأوروبية وضوحاً في خطابها تجاه القضية الفلسطينية.

إسبانيا تتحدث عن الاحتلال، وعن حق الشعب الفلسطيني، وعن الدولة الفلسطينية، وعن القانون الدولي. لكن المغرب يرى أن هذه المبادئ يجب ألا تكون انتقائية.

فإذا كان الاحتلال والاستيلاء على الأراضي بالقوة أمراً مرفوضاً، فلماذا لا يتم الاعتراف بالمطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية والجزر المحتلة؟

وإذا كان تقرير المصير مبدأً أساسياً في العلاقات الدولية، فلماذا لا يُفتح النقاش حول مستقبل الأراضي المغربية التي توجد فيها السيادة الإسبانية؟

هذه ليست دعوة إلى معاملة القضية الفلسطينية والقضية المغربية باعتبارهما متطابقتين من الناحية القانونية والتاريخية، وإنما هي مطالبة بمبدأ واحد:

أن تكون قيم التحرر وتصفية الاستعمار ورفض الاحتلال قابلة للتطبيق على الجميع، لا أن تتغير وفق الجغرافيا وموازين القوة.

لا تتحمل مدريد وحدها مسؤولية هذا التناقض في الخطاب، من وجهة النظر المغربية. فسبتة ومليلية أصبحتا جزءاً من المنظومة الأوروبية بحكم ارتباطهما بإسبانيا، وتظهران في النقاش الأوروبي باعتبارهما حدوداً للاتحاد الأوروبي في إفريقيا.

ففي نهاية يوليوز وبداية غشت 2026، شهدت سبتة موجة هجرة ضخمة، بعدما وصل عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المدينة من الجانب المغربي، وهو ما أعاد المدينة إلى واجهة النقاش الأوروبي حول الحدود والهجرة. وتحدثت تقارير رويترز عن دخول عشرات الآلاف خلال فترة قصيرة، وعن إجراءات إسبانية وأوروبية للتعامل مع الأزمة.

والمفارقة أن مجرد وصف وسائل الإعلام الدولية لسبتة بأنها «جيب إسباني في شمال إفريقيا» يعكس الطبيعة الجغرافية الاستثنائية للمدينة: فهي تقع في إفريقيا، لكنها جزء من الدولة الإسبانية ومن الفضاء الأوروبي.

بالنسبة للمغرب، فإن هذا الوضع هو بالضبط أحد مظاهر استمرار الإرث الاستعماري الأوروبي في القارة الإفريقية.

تستخدم وسائل الإعلام الدولية أحياناً تعبير «الجيب الإسباني في شمال إفريقيا» لوصف سبتة. والتعبير في حد ذاته يحمل دلالة جغرافية مهمة.

فالمدينة ليست جزيرة في المحيط الأطلسي أو أرضاً تقع في قلب أوروبا، وإنما توجد على الساحل الإفريقي، ملاصقة للمغرب. والأمر نفسه ينطبق على مليلية والمواقع الإسبانية الصغيرة المنتشرة على الساحل المتوسطي.

ومن هنا يرى المغرب أن استمرار الإدارة الإسبانية لهذه الأراضي يمثل بقايا مرحلة استعمارية أوروبية لم تتم تسويتها نهائياً.

تستند إسبانيا إلى عامل الزمن في دفاعها عن سيادتها على سبتة ومليلية. لكن منطق المغرب مختلف. فمرور مئات السنين على الاحتلال لا يحول، في المنظور المغربي، الأرض المغربية إلى أرض غير مغربية.

فالاستعمار الفرنسي والإسباني للمغرب استمر عقوداً، وانتهى في القرن العشرين، ولم يكن طول فترة السيطرة الاستعمارية سبباً في إسقاط حق المغرب في الاستقلال.

ومن هذا المنطلق، فإن مرور الزمن لا ينبغي أن يكون وسيلة لتحويل الاحتلال إلى سيادة مكتسبة بصورة تلقائية.

في الوعي الوطني المغربي، لا يمكن اختزال قضية سبتة ومليلية في مجرد خلاف حدودي. فالأمر يتعلق برمز لاستكمال الوحدة الترابية.

وكما استعاد المغرب استقلاله من الحماية الفرنسية والإسبانية، فإن الرؤية الوطنية المغربية تعتبر أن استرجاع سبتة ومليلية والجزر والصخور المحتلة يمثل امتداداً طبيعياً لمسار استكمال السيادة الوطنية.

ولهذا ظلت الرباط، رغم اختلاف الحكومات والظروف السياسية، متمسكة بالموقف القائل إن هذه الأراضي مغربية.

من منظور الخطاب المغربي، القضية ليست مشروعاً توسعياً يستهدف أراضي دولة أوروبية. بل على العكس، ترى الرباط أن المغرب يطالب بأراضٍ تقع ضمن مجاله الترابي والتاريخي، وأن وجود إسبانيا فيها هو نتيجة مرحلة استعمارية أوروبية.

 

وهنا تختلف الرواية جذرياً بين البلدين. فإسبانيا تتحدث عن السيادة الإسبانية. والمغرب يتحدث عن استكمال وحدته الترابية. وبين الروايتين يستمر النزاع السياسي والتاريخي.

إن اعتراف إسبانيا بفلسطين خطوة سياسية لا يمكن إنكار أهميتها، خصوصاً من زاوية دعم حل الدولتين وحقوق الشعب الفلسطيني. لكن هذا الموقف يطرح في الوقت نفسه سؤالاً على مدريد: هل يمكن أن تكون مبادئ التحرر ورفض الاحتلال عالمية عندما يتعلق الأمر بفلسطين، لكنها تصبح مسألة تاريخية مغلقة عندما يتعلق الأمر بأراضٍ مغربية تحت السيطرة الإسبانية؟ وهل يمكن لدولة أوروبية أن تدعو إلى إنهاء الاحتلال في الشرق الأوسط، بينما ترفض حتى فتح نقاش جدي حول مستقبل آخر بقايا وجودها الترابي في شمال إفريقيا؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني التقليل من معاناة الشعب الفلسطيني أو التشكيك في حقه في الحرية والدولة. بل يعني، من المنظور المغربي، توسيع مبدأ رفض الاستعمار ليشمل جميع الأراضي التي يرى أصحابها أنها خضعت للسيطرة الاستعمارية.

الملك فيليبي السادس، باعتباره رأس الدولة الإسبانية، يمثل دولة لها تاريخ طويل في شمال إفريقيا. وفي المقابل، فإن الملكية المغربية تجعل من الوحدة الترابية إحدى القضايا المركزية في خطاب الدولة. ولهذا فإن ملف سبتة ومليلية لا يتعلق بحكومة إسبانية معينة أو بحزب سياسي بعينه، بل يرتبط برؤية الدولة الإسبانية للسيادة.

وهنا تصبح مسؤولية مدريد التاريخية أكبر، خصوصاً عندما تقدم نفسها في المحافل الدولية باعتبارها دولة تؤمن بالسلام والقانون الدولي وحقوق الشعوب. فالدولة التي تدافع عن حقوق الشعوب في العالم مطالبة، من وجهة النظر المغربية، بأن تنظر أيضاً إلى إرثها الاستعماري القريب.

لا يطلب المغرب من إسبانيا التخلي عن دعم فلسطين. بل المطلوب، وفق هذا المنظور، هو أن تكون المبادئ التي تستند إليها مدريد في دعم الفلسطينيين صالحة أيضاً للنقاش حول الأراضي المغربية المحتلة. فالاستعمار لا يصبح أقل استعماراً لمجرد أن الدولة المستعمرة عضو في الاتحاد الأوروبي. والاحتلال لا يفقد معناه لمجرد أن الزمن مرّ عليه قرن أو أكثر. والجغرافيا لا تتغير لأن قوة أوروبية فرضت سيطرتها على مدينة إفريقية لقرون.

أصبحت إسبانيا في السنوات الأخيرة واحدة من أكثر الدول الأوروبية حضوراً في ملف فلسطين، وأكدت أن الاحتلال لا يمكن أن يكون أساساً دائماً للسلام، وأن للشعوب حقاً في الحرية وتقرير المصير. لكن المغرب يضع أمام مدريد مرآة أخرى: سبتة ومليلية، وجزر وصخور مغربية ما تزال تحت الإدارة الإسبانية.

وبينما ترى إسبانيا أن هذه المناطق جزء لا يتجزأ من أراضيها، يرى المغرب أنها أراضٍ مغربية محتلة، وأن وجود إسبانيا فيها يمثل استمراراً لإرث استعماري لم تتم تصفيته بالكامل.

أما التاريخ، فيقدم حقيقة لا خلاف عليها: إسبانيا كانت قوة استعمارية في شمال إفريقيا، وكانت القوة المديرة للصحراء الغربية، وهي حقيقة موثقة في وثائق الأمم المتحدة.

ومن هنا يبقى السؤال مفتوحاً: إذا كان الاحتلال مرفوضاً في فلسطين، فلماذا لا يكون رفض الاحتلال مبدأً قابلاً للنقاش عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية والجزر المغربية؟ وإذا كانت مدريد تؤمن حقاً بأن الشعوب تستحق الحرية والسيادة، فإن المغاربة ينتظرون منها أن تنظر إلى الضفة الجنوبية للمتوسط بالمنطق نفسه الذي تنظر به إلى بقية ملفات العالم. فالتاريخ لا يموت بتقادم الزمن، والحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية لا تصبح بالضرورة عادلة لمجرد مرور العقود.

ومن وجهة النظر المغربية، فإن معركة استكمال الوحدة الترابية لم تنتهِ بعد، وستظل سبتة ومليلية والجزر المحتلة جزءاً من الذاكرة الوطنية ومن المطالبة المغربية باسترجاع كامل التراب الوطني.

" "
بقلم

عبد الحق منار

أضف تعليقا