عاجل
تدوينات

أهمية القيم مابعد كورونا.. بهذا سيحول المغاربة أزماتهم إلى فرص للأمل والبناء والازدهار

lamarocaine | | قراءة 9 د | 3 مشاهدة

بعيدا شيئا ما عن التداعيات الاقتصادية، ونحن نتأمل ما حولنا، لاشك أن أزمة كورونا، غيرت مجموعة من المفاهيم والمنظومات والتصورات عن أهمية الحياة التي يمنحها لنا الباري عز وجل، كفرص جديدة للأمل في المستقبل من الأيام، رغم أن الكورونا غيرت من أحوالنا رأسا على عقب، وأجبرتنا على تغيير نظرتنا للواقع من حولنا، فقد اكتشفنا من قلب هذه التحولات الطارئة و المحتملة لهذه الجائحة العالمية، منظومة جديدة من القيم بأبعادها المختلفة، إنها قيم الأزمات، التي أبانت عن المعدن الأصيل لمجتمعنا المغربي، من خلال ما نشاهده اليوم وما نعيشه من القيم الاستثنائية التي تمثلها المغرب ملكا وحكومة وشعبا، للحدّ من التداعيات السلبية لفيروس كورونا المستجد الذي أطل برأسه على الإنسانية بتحديات كثيرة، وطوارئ ناشئة، لا تجابها إلا القيم المتأصلة في الأفراد والمجتمعات.
لقد تجلت القيم المغربية، كأبهى صورة وأفضل موقف، حين انبرى الجميع، مجسدين لقيم لوفاء مع الوطن، والتماسك حفظا للذات المغربية، لأن أصدق أنواع الوفاء ما كان وقت الشدّة، كما يقال، لقد أبانت الأزمة الحالية، عن مواقف رائدة للدولة ولمسؤوليها في مثل هي الظروف العصيبة، مواقف نبل وبطولة وعطاء، في وطن الإنسانية، ولم يشأ أبناء الشعب أن يبقوا بعيدا عن هذه المواقف العزيزة، بل ساروا عن النهج الذي رسمه ملك البلاد وحكومته منذ الوهلة الأولى، وراحوا بمناسبة حلول هذا الشهر وقبله، يكرسون للقيم مكانها في وسط الازمة، مواقف التي حض عليها ديننا، ودعت إليها ثقافتنا المغربية المتأصلة، التي حثت عليها أخلاقنا، لندرك قيمة دولة القوية بقيمها، وصدقها ووفاءها، فإذا كانت الأزمات عند البعض تدفع للأنانية والاستغلال، فإن مبادئ المغاربة الأحرار لا تتغير، ولا تتزعزع، لأن الأزمات في قاموسهم تصنع الرجال، وتوقظ القيم، وتعزز التلاحم، نعم، لقد جددت فينا هذه الظروف معانيَّ حبّ الوطن والتفاني في سبيله، فحين نرى مسؤولين وشبانا وشابات متطوعين، للحرب على كورونا في الجبهات الأمامية، وغيرهم كثير كل من موقعه، لم يحل بينهم وبين المخاطر شيء، وهم الذين اختاروا بإرادتهم أن يذهبوا لبؤرة المرض مخاطرين بأنفسهم لينقذوا غيرهم استجابة لنداء الوطن لهم، وداعي الأخوّة الإنسانية المتأصل فيهم، نعلم يقينًا رسوخ الإيمان بقيم هذا الوطن في قلوب المغاربة، لنتفاءل ونسعد لأن قيمنا لم تندثر ولن تزول.
لقد تجلت في بلادنا في هذه الظروف قيم الإنسانية الحقيقية، فبلادنا منذ اليوم، ضرب بها المثل الأعلى، والقدوة المثلى في الدرس الإنساني الذي قدمه صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، حين فضل شعبه على الاقتصاد، وهي مبادرة ملكية رائدة وإنسانية أثارت انتباه الجميع بحرصها على الإنسان، وصيانته ورعايته، مهما كان انتماء هذا الإنسان وقيمته المجتمعية، فحولت هذه القيم الملكية، المغرب إلى واحة الاستقرار المجتمعي بين كل أفراده، بين أغنيائه وفقرائه، في هذا الظرف العالمي العصيب.
هذه القيم التضامنية، تجسدت أيضا في الجاهزية الكاملة لمؤسسات الدولة، ووضع البدائل الاستشرافية من أجل رفاهية المواطن المغربي، وإدارة الأزمات بنجاح وامتصاص المخاطر وتنمية الاقتصاد ومواكبة التطورات، بما يضمن من تعزيز الموقع الجيوسياسي والاستراتيجي لبلادنا.
إن تعزيز قيم الولاء للوطن ليس فيه منطقة رمادية، فإما أن تكون مع وطنك أو تكون ضده، إن بلادنا في حاجة ماسة لنا ولقيمنا أكثر، لأنها هي التي ينبغي أن تظهر للعلن، وفي كل أزمة يمر بها وطن ما، وتكون أكبر حضورا، ووهجًا عندما تستطيل أي من الأزمات ولتصاحبها جهود معتبرة مثل ما نراه اليوم من تلاحم كبير وتماسك منقطع النظير بين أفراد المجتمع.
إن البشرية كافة، تتنادى دولها وشعوبها اليوم بضرورة ألا تتناقض تدابير الطوارئ التي تتخذها الحكومات ضد كورونا، مع روح المبادئ والقيم الأساسية التي أُسست عليها مجموعة من التكتلات الإنسانية، وهي لعمري نداءات سوف تغير وجه نظم القيم الجديدة، والتي نمتلك فيها نحن كمسلمين ونتقاسم فيها أيضا الشيء الكثير مع الإنسانية جمعاء، وهي قيم نابعة من موروثاتنا الدينية والثقافية والشعبية.
من المفيد هنا ونحن نستحضر قيمة القيم في زمن جائحة كورونا، أن نتذكر بعض الدروس التاريخية، الخالدة. فالحرب العالمية الثانية دمّرت اقتصاديات الكثير من الدول على بكرة أبيها. ولكن دولا انهزمت في هذه الحرب، كاليابان وألمانيا هي اليوم في مقدمة الدول الصناعية الغنية جمعاء، فمن الذي جعلها تستعيد قدرتها وتحول الهزيمة إلى نجاح، وإن كان صحيحاً أن هذه الدول (ومنها من يعاني حالياً) حصلت على مساعدات مهمة من الولايات المتحدة، فإنه صحيح أيضاً أن حكومات هذه الدول اعتمدت نظم قيم جديدة، قوامها الديمقراطية والتركيز على الإنتاجية، وتضحيات الناس الجمة الممتزجة بشعورهم أنهم شركاء في عملية صنع القرار الذي سيحدد مستقبلهم. لم يمنع الدمار الشامل الذي حل بألمانيا واليابان، واطني هذه الدول من النهوض من الرماد، وبناء دولهم من جديد، حتى باتت في وضع أفضل بكثير مما كانت عليه سابقا.
إذن إن للقيم مفعولها السحري ما بعد الأزمات، فمن المستبعد أن يؤدي فيروس كورونا، إلى مثل ما انتهت إليه الحرب العالمية الثانية، لكن الاقتصاد العالمي يتعرض حالياً لأزمة كبيرة، لكن كل أزمة تحمل في طياتها نعمة، وبذور انطلاقة جديدة نحو فضاء أوسع، إن تم استيعاب الدروس المناسبة وإعادة النظر في الأولويات التي لا يحددها الوضع الاقتصادي فقط، وإنما أيضاً تغيير النهج غير القادر على التعامل مع الأزمات.
الأزمات تكشف معادن الناس، إننا بحاجة للقيم التي كدنا نفتقدها في حياتنا اليومية، فالحاجة إليها الآن ستبرز بشكل كبير.
فمن القيم الإنسانية الأصيلة والمغربية التي تجلت بقوة في هذه الأزمة الوبائية العالمية قيمة التضحية، والتي تحلت بها بشكل منقطع النظير الأطقم الطبية بشكل عام، والسلطات والمواطنون كل من موقعه، فجسدوا مظاهر ايجابية للتضحية ليس لها نظير، ولا يقدر عليها إلا الخُلص من الناس، من ذوي القيم الإنسانية الأصيلة
فبعيدا عن التجليات السلبية لأزمة وبائية عزلت العالم وفرضت قيودا غير مسبوقة على الحياة اليومية، استحال معها الاستثناء إلى قاعدة، عادت قيم التضامن والتآزر لتعم المجتمعات عبر ممارسات تنطوي على حس وطني وإنساني نبيل.
فلم يخلف المغاربة موعدهم مع التاريخ، ليظهروا أصالة قيم التضامن التي اشتهروا بها على مدى العصور، فسواء كانوا داخل الوطن أو خارجه، فقد وقعوا على ملحمة تضامنية في مداها الواسع، أعادت إلى الواجهة القيم الإنسانية المتجذرة فينا، وعززت الجهود الحكومية لمواجهة الوباء والتخفيف من وطأته على المغاربة وعلى مستويات عديدة.
إننا نرى كيف أخضعت جائحة كورونا منظومة القيم الحضارية في العالم اليوم لاختبار حقيقي على مستوى الممارسة والمسؤولية الجماعية، وكشفت أن الإنسانية مهما بلغت من تطور مادي، فإن ركيزة القيم، بما هي سلوك وممارسة، تبقى الوعاء الضامن للتماسك والاستقرار ومصدر قوة المجتمعات الإنسانية في مواجهتها للمحن والأزمات، التي باستطاعتها أن تحولها إلى أمل وايجابية ومستقبل سعيد مهما كانت أزمتها قاسية، فإن عزائم القيم قادرة على تغيير مجرى التاريخ.
في المغرب، رأينا كيف اتخذت عدة تدابير، وبطريقة استباقية لمحاصرة تفشي هذا الوباء والتحسيس بأهمية الوقاية والرهان عليها في غياب علاج فعال ضد هذا الفيروس الفتاك .
لكن إلى جانب الإجراءات الوقائية المرتبطة بالنظافة وتقييد تحرك الأشخاص والتدابير والنصائح ذات الصلة، برزت الحاجة كبيرة من أجل استدعاء الموروث الثقافي والقيمي والديني للمجتمع المغربي الذي يدعو إلى التضامن ونبذ الأنانية، وتعزيز التعاون والتكافل بين الناس، لا سيما عند الشدائد ، وتشجيع مبادرات التطوع النابعة من شيم الكرم والجود المشهود بها للمغاربة، والاصطفاف الكامل بين أفراد المجتمع باعتباره فريضة الوقت، بالتعبير الفقهي، في هذا الوضع الصحي الاستثنائي .
فإذا ما تم إغلاق المؤسسات التعليمية والتربوية والدينية كالمدارس والمساجد ودور العبادة مؤقتا كتدابير وقائية لمواجهة خطر تفشي هذا الفيروس الوبائي، فإن إعادة إنتاج القيم الإنسانية والأخلاقية التي تم تعلمها بهذه المؤسسات، يجب أن يكون أثره قويا و يبلغ ذروته، ليعكس أبهى صور السلوك الحضاري في زمن الشدائد والمحن المرتكز على قيم خالدة لازال المغربي الحر متمسكا بها مهما اشتدت أزمته.
إن أي مجتمع تتجلى فيه مثل هذه القيم يكون مجتمعا حيا، ومتراحما، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أَيْضًا: الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ، اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ”. إن القيم الإنسانية هي قيم كونية، وهي المعيار الحقيقي الذي يتميز به الناس ويتفاضلون فيما بينهم، فإن قيم تمغربيت الأصيلة، كانت دائما قادرة على تحويل نقم الأزمات إلى قيم نعم، لأن النظرة الإيجابية للمحن تتحول بالتفاؤل والأمل إلى منح إلهية يسعد بها الإنسان المغربي وإن كان في أصعب ظروفه، والعكس صحيح فإن النظرة السلبية للأمور وللأزمات تعمق من آثارها ويفقد الإنسان معها حقائق جليلة لا يمكن أن تتحقق له إلا بالنظرة الإيجابية والتمثل بالقيم، لأنها الوحيدة الكفيلة بتحويل خوفنا إلى أمان، وقرحنا إلى فرح وسرور، أدام الله علينا نعم الخير والازدهار وحفظ بلادنا من كل مكروه وسوء.

#قيم_المغاربة
#دروس_إنسانية
عبد الرزاق الزرايدي بن بليوط
رئيس مجموعة رؤى فيزيون الإستراتيجية

بقلم

lamarocaine