عاجل
تدوينات

بين حلم العبور وحنان الأمومة.. صورة تختزل مأساة الهجرة نحو سبتة المحتلة…من مأساة البحر إلى أسئلة المجتمع.. قراءة سوسيولوجية ونفسية في جذور الهجرة غير النظامية

Rachid bouricha | | قراءة 3 د | 144 مشاهدة

بقلم: بامحيل سعاد متخصصة في مجال النفسي و الاجتماعي

توجد صور تتجاوز قيمتها الإخبارية لتتحول إلى وثائق إنسانية تختزل قضايا اجتماعية معقدة. ومن بين هذه الصور، يبرز مشهد شخص يخوض مياه البحر حاملاً امرأة على ظهره خلال محاولة عبور نحو سبتة المحتلة؛ وهي صورة، وإن كانت لا تسمح وحدها بالجزم بهوية الأشخاص أو تفاصيل الواقعة، فإنها تفتح الباب أمام قراءة إنسانية وسوسيولوجية لواحدة من أكثر الظواهر إلحاحًا في المجتمعات المعاصرة، وهي الهجرة غير النظامية.

لا تعكس هذه اللقطة مجرد محاولة لعبور حدود جغرافية، بل تجسد حالة يعيشها آلاف الشباب والأسر الذين يجدون أنفسهم بين واقع اقتصادي واجتماعي صعب، وبين حلم يعتقدون أنه قد يغير مصيرهم في الضفة الأخرى. وهنا يتحول البحر من فضاء طبيعي إلى مساحة فاصلة بين الأمل والخوف، وبين الحياة والمجهول.

تؤكد الأدبيات السوسيولوجية أن الهجرة ليست في الغالب قرارًا فرديًا معزولًا، بل هي نتاج تفاعل عوامل متعددة تشمل الأوضاع الاقتصادية، ومستويات الاندماج الاجتماعي، وإدراك الأفراد لفرص المستقبل، إضافة إلى تأثير الصور المتداولة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، التي ترسم أحيانًا صورة مثالية عن الحياة في بلدان الاستقبال، دون أن تُظهر دائمًا التحديات القانونية والاجتماعية والاقتصادية التي قد تواجه المهاجرين.

وفي هذا السياق، يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن اختيارات الأفراد لا تُفهم بمعزل عن موقعهم داخل البناء الاجتماعي وما يمتلكونه من رأسمال اقتصادي واجتماعي وثقافي ورمزي. ومن هذا المنظور، تصبح الهجرة، بالنسبة إلى بعض الأفراد، محاولة لإعادة تشكيل مسارهم الاجتماعي عندما تضيق أمامهم آفاق الارتقاء داخل بيئتهم الأصلية.

أما من الناحية النفسية، فإن قرارات الإنسان لا تقوم على الحسابات العقلانية وحدها، بل تتأثر أيضًا بالأمل، والإحباط، والإحساس بالحرمان النسبي، وتوقعات المستقبل. وقد يدفع الشعور بانسداد الأفق بعض الأشخاص إلى التقليل من حجم المخاطر، مقابل تعظيم احتمال الوصول إلى حياة يرونها أكثر استقرارًا وكرامة.

ويحمل مشهد الابن وهو يحمل والدته وسط البحر دلالة إنسانية عميقة، إذ يعكس قوة الروابط الأسرية في مواجهة الخطر. فالأم تمثل رمز الحنان والأمان، بينما يتحول الابن في تلك اللحظة إلى سند وحامٍ، في مشهد يختلط فيه الحب بالخوف، والتضحية بالأمل. غير أن هذه الصورة تطرح في الوقت نفسه سؤالًا مؤلمًا: كيف تصل بعض الأسر إلى مرحلة ترى فيها أن المجازفة بأرواحها في البحر قد تكون خيارًا ممكنًا؟

لقد تحول البحر، في السنوات الأخيرة، إلى شاهد على مآسٍ إنسانية متكررة. فهو بالنسبة إلى كثيرين بوابة نحو مستقبل مأمول، لكنه في المقابل قد يصبح نهاية مأساوية لأحلام لم تكتمل. وبين هذين المعنيين تتجسد هشاشة الإنسان أمام الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وقوة الأمل الذي يدفعه أحيانًا إلى تجاوز حدود الخوف.

إن مقاربة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تقتصر على الجانب الأمني وحده، رغم أهميته في حماية الأرواح وتنظيم الحدود، بل تستدعي أيضًا سياسات عمومية تعزز فرص الشغل، وتدعم التعليم والتكوين، وتوسع آفاق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتقوي الثقة في المستقبل، خاصة لدى فئة الشباب.

وفي النهاية، تبقى الصورة التي يظهر فيها شخص يحمل امرأة على ظهره وسط البحر أكثر من مجرد مشهد عابر؛ إنها شهادة إنسانية تختزل معاناة وآمال آلاف الأشخاص، وتدعو إلى التفكير في الأسباب العميقة التي تدفع الإنسان إلى المخاطرة بحياته من أجل البحث عن فرصة جديدة. وبين حلم العبور وحنان الأمومة، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن للمجتمعات أن تحول الأمل في المستقبل إلى واقع داخل الأوطان، حتى لا يصبح البحر هو الطريق الأخير نحو الحلم؟

" "
بقلم

Rachid bouricha

1 تعليقا

  1. انوه بمقالك حول الهجرة الجماعية الأخيرة لسبتة المحتلة وربط الجانب الاجتماعي والنفسي من خلال صورة الشخص الدي يهاجر بحرا وهو يحمل امه على ضهره.

أضف تعليقا