عاجل
تدوينات

قهيوة مهرسة… حين يصبح القلم وفاءً للراحل

Rachid bouricha | | قراءة 3 د | 278 مشاهدة

يونس علالي –

لأول مرة أحتسي قهوة «مهرسة» بعد مرور ثلاثة أيام على رحيل زميلنا وصديقنا، المرحوم بإذن الله، الإعلامي محمد فتاح.

ثلاثة أيام فقط كانت كافية لأدرك أن بعض الغياب لا يشبه الغياب، وأن بعض الأصدقاء حين يرحلون يتركون وراءهم فراغاً لا تملؤه الكلمات.

احتسيت القهوة، لكن طعمها هذه المرة كان مختلفاً. كان فيها مذاق القهوة، وحلاوة السكر، ورائحة الحزن. حزن الفراق، حزن فقدان صديق عزيز، وحزن أن تتحول جلسات كانت تجمعنا إلى ذكريات نستعيدها في صمت.

وأنا أتذوق «قهيوة مهرسة»، تذكرت كيف كان محمد فتاح، رحمه الله، يأخذنا من الواقع إلى عالم آخر. كان يقودنا بقلمه وكلماته في جولات بين الأزقة والدروب، ويجعلنا نقترب من تفاصيل الحياة اليومية التي قد تمر أمام أعيننا دون أن ننتبه إليها.

كان يلتقط حواراً بسيطاً بين شخصين، ربما لم نكن معنيين به، لكنه كان بطريقة ما يشير إلينا من خلاله. كان يرى في التفاصيل الصغيرة معاني كبيرة، وفي الكلام العابر رسائل عميقة، وفي الحياة اليومية مادة تستحق أن تُروى.

لم تكن مقالات «قهيوة مهرسة» مجرد كلمات تُكتب وتُنشر، بل كانت حالة خاصة صنعها فتاح بأسلوبه الهادئ والبسيط. وكان هو نفسه يشبه كتاباته؛ هادئاً، متواضعاً، قريباً من الناس، ولا يمكن أن تمل وأنت تجالسه أو تستمع إليه.

رحل فتاح، لكن «قهيوة مهرسة» بقيت شاهدة على تجربة صحفية وإنسانية جميلة.

ومن هنا وجدت نفسي أمام سؤال لا يتعلق بالقهوة وحدها، بل بالقلم والذاكرة والوفاء: هل يحق لي أن أواصل كتابة مقالات على منوال «قهيوة مهرسة» تخليداً لذكرى فقيدنا الغالي، أم أن ذلك قد يُعتبر تعدياً على ملكيته الفكرية؟

قد يكون السؤال مشروعاً من الناحية القانونية والأخلاقية، لكنني أعتقد أن هناك فرقاً بين سرقة أسلوب كاتب والاستلهام من تجربة تركها لنا.

أن تكتب بنفس الروح، وأن تستحضر الأجواء التي أحبها الراحل، وأن تجعل من «قهيوة مهرسة» جسراً لاستمرار حضوره بيننا، فهذا في نظري يمكن أن يكون وفاءً، شرط أن يظل اسم محمد فتاح حاضراً، وأن تكون تجربته محترمة، وألا ننسب لأنفسنا ما كتبه هو، أو نقلد نصوصه ونقدمها على أنها من إبداعنا.

فالملكية الفكرية تحمي النص والقلم والإبداع، لكن الذكرى لا يمكن أن تُملك.

وإذا كانت «قهيوة مهرسة» قد أصبحت جزءاً من ذاكرة قرائها، فإن استمرار الكتابة عن الحارات والأزقة والناس والبسطاء، وعن تلك التفاصيل التي كان فتاح يمنحها معنى، قد يكون شكلاً من أشكال الوفاء له، لا سرقة لما تركه وراءه.

ربما لم يكن محمد فتاح يريد أن تنتهي «قهيوة مهرسة» برحيله، وربما كان أجمل ما يمكن أن نفعله هو أن نجعل من آخر فنجان احتساه معنا، بداية لفناجين أخرى تحمل اسمه وذكراه.

رحم الله محمد فتاح.

رحل الرجل الهادئ، وبقيت كلماته تجوب الأزقة والدروب. وبقيت «قهيوة مهرسة» تنتظر من يعيد إليها الدفء…

لكن هذه المرة، سيكون مذاقها ممزوجاً بمرارة الفقد، وبحلاوة الذكرى، وبوفاء أصدقاء لم ينسوا صاحبها.

" "
بقلم

Rachid bouricha

أضف تعليقا