عاجل
ملفات ساخنة

عندما يتحول مختل عقليًا إلى مصدر خطر.. من يعوض ضحايا الاعتداء؟ وهل يمكن مقاضاة الجماعة أمام القضاء الإداري؟

Rachid bouricha | | قراءة 4 د | 76 مشاهدة

رشيد بوريشة –

تطرح الاعتداءات التي يكون ضحيتها مواطنون من طرف أشخاص يعانون من اضطرابات أو اختلالات عقلية، إشكالًا يتجاوز حدود المسؤولية الجنائية للمعتدي، ليمتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من يتحمل مسؤولية الأضرار التي لحقت بالضحية، خصوصًا إذا كان الشخص المختل معروفًا لدى السلطات، ويتجول في الشارع دون رعاية أو مراقبة؟

ففي الوقت الذي قد تنتفي فيه المسؤولية الجنائية عن الشخص الذي ثبت أنه كان، وقت ارتكاب الفعل، في حالة عقلية أفقدته الإدراك أو الإرادة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الضحية تفقد حقها في المطالبة بجبر الأضرار التي لحقت بها.

وهنا تبرز مسؤولية أخرى تستحق النقاش، وهي المسؤولية المدنية والإدارية للمرافق والجهات التي قد تكون ملزمة بالتدخل لحماية الأشخاص والمجتمع، بحسب طبيعة الحالة والاختصاص القانوني لكل جهة.

ويصبح الأمر أكثر إثارة للانتباه عندما يتعلق الأمر بشخص مختل عقليًا معروفًا في منطقة معينة، ويتكرر ظهوره في الشارع، أو سبق أن صدر بشأنه تنبيه أو شكايات، بينما لا يتم اتخاذ التدابير اللازمة للتعامل مع وضعيته، ثم ينتهي الأمر باعتدائه على أحد المواطنين.

وفي مثل هذه الحالة، لا يقتصر السؤال على: هل يتحمل المعتدي المسؤولية؟ بل يطرح أيضًا سؤال آخر: هل كان هناك تقصير من مرفق عمومي كان يتعين عليه التدخل، وهل ساهم هذا التقصير بصورة مباشرة في وقوع الضرر؟

قانون الالتزامات والعقود المغربي يضع أساسًا عامًا لمسؤولية الدولة والبلديات عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها، وهو ما يفتح المجال، بحسب ظروف كل واقعة، لبحث المسؤولية الإدارية عندما يثبت وجود خطأ مرفقي تسبب في الضرر.

وبالتالي، فإن الضحية التي تعرضت لاعتداء لا ينبغي أن تنظر فقط إلى هوية المعتدي وحالته الصحية، وإنما يمكنها، في الحالات التي تتوفر فيها عناصر المسؤولية، أن تبحث أيضًا في مدى تقصير الجهات العمومية المختصة في التعامل مع شخص يشكل خطرًا على نفسه أو على الآخرين.

وهنا تبرز إمكانية اللجوء إلى القضاء الإداري للمطالبة بالتعويض، متى توفرت الشروط القانونية، خاصة إذا تمكن المتضرر من إثبات وجود تقصير مرفقي، ووجود ضرر حقيقي، وقيام علاقة سببية بين ذلك التقصير والضرر الذي تعرض له.

غير أن المسؤولية لا تسقط تلقائيًا على الجماعة لمجرد أن الاعتداء وقع في مجالها الترابي؛ إذ يتعين تحديد الجهة التي كانت تتوفر على الاختصاص والواجب القانوني للتدخل في الحالة المعنية. فالقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات يحدد اختصاصات رئيس مجلس الجماعة في مجال الشرطة الإدارية الجماعية، بينما تتوزع اختصاصات أخرى بين السلطات المحلية والمصالح الصحية والأمنية وغيرها بحسب طبيعة التدخل المطلوب.

ومن هنا، فإن ترك شخص يعاني من اضطراب عقلي حاد ويتجول في الشارع رغم وجود معطيات سابقة حول خطورته قد يطرح، بحسب ظروف كل ملف، سؤالًا جديًا حول مدى قيام الجهات المختصة بواجباتها القانونية، وما إذا كان عدم التدخل قد ساهم في وقوع الاعتداء.

أما بالنسبة إلى التعويض، فقد يشمل، بحسب ما يثبته المتضرر وما تقرره المحكمة، مختلف الأضرار الناتجة عن الواقعة، من مصاريف العلاج والإصابات والعجز، إلى الأضرار المادية والمعنوية، وفقًا لقواعد المسؤولية المدنية والإدارية المعمول بها.

وهكذا، فإن قضية الاعتداء من طرف شخص مختل عقليًا لا ينبغي اختزالها في عبارة “المعتدي مريض نفسيًا وبالتالي لا مسؤولية عليه”. فهناك مسؤولية جنائية للمعتدي، ومسؤولية مدنية محتملة، ومسؤولية إدارية محتملة للمرفق العام أو الجهة المختصة إذا ثبت وجود تقصير وعلاقة مباشرة بين هذا التقصير والضرر.

ويبقى القضاء صاحب الاختصاص في تقدير الوقائع والأدلة وتحديد الجهة المسؤولة، وهو ما يجعل توثيق الضحية للواقعة أمرًا بالغ الأهمية، من خلال الشواهد الطبية، ومحاضر الشرطة أو الدرك، والشكايات السابقة إن وجدت، وأسماء الشهود، وكل وثيقة يمكن أن تثبت أن الشخص المعتدي كان معروفًا بخطورته وأن الجهات المختصة كانت على علم بوضعه.

فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من اعتدى على الضحية؟ وإنما أيضًا: هل كان يمكن تفادي الاعتداء لو قامت الجهة المختصة بواجبها في الوقت المناسب؟

ذلك هو السؤال الذي يمكن أن يحول الواقعة من مجرد اعتداء فردي إلى قضية تتعلق أيضًا بمسؤولية المرفق العام عن حماية المواطنين.

بقلم

Rachid bouricha

أضف تعليقا