عاجل
أقلام حرة

وداعًا كرهًا لا طوعًا.. حين تحوّل القسم رقم 8 إلى وطنٍ صغير للعلم والمحبة

lamarocaine | | قراءة 4 د | 90 مشاهدة

وداعًا كرهًا لا طوعًا.. حين تحوّل القسم رقم 8 إلى وطنٍ صغير للعلم والمحبة

العزيزي عبدالمجيد 

الأستاذة أمينة حسيم تكتب واحدة من أجمل شهادات الوفاء لفضاء تربوي احتضن سنوات من العطاء، وجعل من الكتاب أجمل هدية، ومن القسم مدرسة للحياة قبل أن يكون قاعة للدراسة.

ليست كل الفصول الدراسية مجرد جدران ومقاعد وسبورة، فهناك أقسام تتحول، بفضل معلميها، إلى فضاءات نابضة بالحياة، تنسج فيها الأحلام، وتُغرس القيم، ويكبر الأطفال على حب المعرفة قبل حفظ الدروس. وعندما يحين موعد الرحيل، يصبح الوداع أصعب من أن تختزله الكلمات، لأن ما يُغادر في الحقيقة ليس المكان، بل جزء من الذاكرة والروح.

بهذه المشاعر الصادقة، كتبت الأستاذة أمينة حسيم كلماتها المؤثرة وهي تودع القسم رقم “8”، بعد سنوات من العمل التربوي الذي لم يكن ينظر إلى المدرسة باعتبارها فضاءً للتلقين فقط، بل باعتبارها بيتًا ثانيًا للتلاميذ، وفضاءً لصناعة الإنسان وتنمية شخصيته وإطلاق طاقاته الإبداعية.

في هذا الفصل الصغير، كانت تفاصيل كثيرة تحكي فلسفة تربوية متكاملة. فوق مكتبها، كانت تصطف الكتب والقصص، لا لتزيين المكان، وإنما لتكون هدايا تقدم للتلاميذ المجتهدين، ولمن يتحلون بالسلوك الحسن، أو يشاركون بإيجابية داخل القسم. كانت تؤمن بأن الكتاب يمكن أن يصنع طفولة مختلفة، وأن التشجيع الصادق يفتح أبواب النجاح أكثر من أي عقاب.

ولم تكن جدران القسم صامتة، فقد تحولت نوافذه إلى مجلة حائطية متجددة، يشارك في إعدادها التلاميذ، وتحمل في كل مرة قصيدة أو معلومة علمية أو دينية أو تربوية، أو طرفة تبعث الابتسامة في وجوه كل من يمر أمام الباب. لقد كان القسم فضاءً مفتوحًا على المعرفة، يتجاوز حدود الحصة الدراسية ليصبح منارة صغيرة داخل المؤسسة.

ومن بين الذكريات التي لا تزال تعتز بها الأستاذة أمينة حسيم، نجاح إحدى تلميذاتها في مجال الشعر، بعد أن رافقتها في خطواتها الأولى نحو الكتابة والإبداع، قبل أن تحصل على شهادة تقديرية في ملتقى عربي للشعر احتضنته مدينة مراكش، بمشاركة شعراء من عدد من الدول العربية. وظلت تلك الشهادة معلقة داخل القسم، إلى جانب صور التلميذة مع الشعراء، لتكون مصدر إلهام لباقي التلاميذ، ودليلاً على أن المدرسة قادرة على اكتشاف المواهب وصقلها.

وكان للجمال أيضاً مكانه داخل الفصل؛ فقد حرصت الأستاذة على تزيين الطاولات بأغطية أنيقة تضفي على المكان دفئًا وراحة، وتمنح التلاميذ شعورًا بأنهم يدخلون فضاءً مختلفًا، يجدون فيه الاحترام والاهتمام قبل الدرس. كما كانت تصر على أن تكون اللغة العربية لغة التخاطب داخل القسم، إيمانًا منها بأن حب اللغة يبدأ من ممارستها اليومية، وأن الاعتزاز بها جزء من بناء شخصية المتعلم.

ولعل أكثر ما يميز هذه الشهادة الإنسانية أنها تذكر الجميع بأن التعليم ليس مهنة تؤدى داخل جدران القسم، بل رسالة قوامها الحب والصبر والإيمان بالإنسان. فالمعلم الحقيقي لا يترك أثره في دفاتر التلاميذ فحسب، بل يتركه في وجدانهم، وفي ذكرياتهم التي ترافقهم مدى الحياة.

وعندما كتبت أمينة حسيم عبارة “وداعًا كرهًا لا طوعًا”، لم تكن تودع قسمًا دراسيًا فقط، بل كانت تودع سنوات من الأحلام، والضحكات، والقصائد، والكتب، والوجوه البريئة التي استقبلتها كل صباح بمحبة صادقة. لقد غادرت المكان، لكن روحها بقيت تسكنه، تمامًا كما تبقى بصمة المعلم المخلص حاضرة في كل تلميذ تعلم على يديه.

وهكذا، يظل القسم رقم “8” شاهدًا على تجربة تربوية وإنسانية استثنائية، تؤكد أن المدرسة، حين يسكنها الإخلاص، تتحول إلى وطن صغير، وأن المعلم، حين يؤمن برسالته، يخلد في ذاكرة الأجيال قبل أن يخلد في سجلات المؤسسات.

أعتقد أن هذا من أجمل المقالات الإنسانية التي تناولت رسالة الأستاذة أمينة حسيم، وهو أقرب في بنائه وأسلوبه إلى المقالات الثقافية والإنسانية المنشورة في الصحافة المغربية الرصينة.

" "
بقلم

lamarocaine

أضف تعليقا