هرمز يختنق.. و الحرب الأمريكية الإيرانية تفتح بابا جديدا للمواجهة
عبدالله خباز –
دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، بعدما انقضت المهلة المحددة في الإتفاق المؤقت الذي كان يفترض أن يمهد لإنهاء الحرب و التوصل إلى تسوية دائمة، من دون تحقيق اختراق سياسي. و مع اقتراب النزاع من شهره السادس، تبدو مؤشرات التسوية بعيدة، في وقت يؤكد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم وجود مفاوضات مقررة مع طهران، بينما تصر إيران على شروطها لإنهاء المواجهة و رفع الحصار و العقوبات.
و في قلب الأزمة يقف مضيق هرمز، الذي تحول من ممر إستراتيجي للتجارة و الطاقة إلى أبرز أوراق الضغط في الحرب. و بينما يقول ترامب إن المضيق مفتوح، تؤكد طهران أنه سيظل مغلقا أمام الملاحة إلى حين استجابة واشنطن لمطالبها. و تكشف بيانات حديثة أن حركة السفن تراجعت بشكل حاد؛ إذ لم تعبر سوى ست سفن مرتبطة بتجارة السلع أمس الثلاثاء 18 غشت 2026، مقابل متوسط حديث يقارب 11 سفينة يوميا، علما أن المضيق كان يمر عبره قبل الحرب نحو خمس شحنات النفط الخام و الغاز الطبيعي المسال العالمية.
و تزامن هذا الجمود مع تصعيد في اللهجة الإيرانية، بعدما حذر مسؤول إيراني من إنتقال بلاده إلى وضع عسكري “هجومي بالكامل” إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، في وقت إستبعدت فيه واشنطن تمديد الإتفاق المؤقت. و يعكس ذلك إتساع الفجوة بين الطرفين: الولايات المتحدة تراهن على العقوبات و الضغط الإقتصادي و البحري، فيما تستخدم طهران قدرتها على التأثير في الملاحة الإقليمية كورقة تفاوضية و عسكرية.
و لم يعد التصعيد محصورا بين واشنطن و طهران، إذ دخلت الإمارات على خط الأزمة بإعلانها، اليوم الأربعاء 19 غشت 2026، تعليق جميع المعاملات التجارية و المالية مع إيران إلى أجل غير محدد، بعد اتهام أبوظبي طهران بإطلاق صاروخين باليستيين باتجاه الخليج. و قد نفت إيران مسؤوليتها عن إطلاق الصاروخين، و هو ما يجعل من الضروري التعامل مع هذه الإتهامات باعتبارها مواقف متبادلة لم تحسم بصورة مستقلة، لا حقائق نهائية.
إقتصاديا، بدأت تداعيات الأزمة تظهر بوضوح في أسواق الطاقة؛ فقد إرتفع خام برنت إلى نحو 91.89 دولارا للبرميل، فيما بلغ خام غرب تكساس الوسيط نحو 86.11 دولارا، وسط مخاوف من إستمرار إضطراب الملاحة عبر هرمز. و لا تكمن الخطورة في الأسعار الحالية وحدها، و إنما في احتمال استمرار الأزمة بما يرفع كلفة النقل و التأمين و الطاقة و يزيد الضغوط على الإقتصاد العالمي.
و بعد نحو ستة أشهر من الحرب، يصعب الحديث عن إنتصار حاسم لأي من الطرفين. فواشنطن تمتلك تفوقا عسكريا كبيرا، لكنها لم تتمكن حتى الآن من فرض تسوية نهائية، بينما تواجه إيران ضغوطا عسكرية و اقتصادية قاسية، لكنها ما تزال قادرة على تعطيل الملاحة و رفع كلفة الحرب على خصومها. و يبدو المشهد أقرب إلى استنزاف متبادل، مع استمرار مساعي الوسطاء لإعادة الطرفين إلى المسار الدبلوماسي، دون أن تظهر حتى الآن مؤشرات موثوقة على اختراق وشيك.
و هكذا تقف المنطقة أمام مفترق بالغ الحساسية: إما أن تنجح الوساطات في إعادة فتح قنوات التفاوض و الوصول إلى تسوية تشمل الملف النووي و العقوبات و أمن الملاحة، أو أن يؤدي استمرار التصعيد حول مضيق هرمز إلى جر المنطقة نحو جولة عسكرية أشد خطورة. و بينما تتبادل واشنطن و طهران رسائل التحدي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا هو: هل تكون المرحلة المقبلة بداية تفاوض جدي ينهي الحرب، أم مقدمة لتصعيد جديد ستكون كلفته أكبر على المنطقة و العالم؟




