عاجل
المغربية السياسية

من بريق الأضواء إلى ثقل المسؤولية… حين يختبر الفنانون المغاربة جدية السياسة

محمد خـــــابة | | قراءة 3 د | 65 مشاهدة

من بريق الأضواء إلى ثقل المسؤولية… حين يختبر الفنانون المغاربة جدية السياسة

عبدالله خباز

لم يعد مشهد انتقال بعض الفنانين المغاربة من منصات الغناء و خشبات المسرح إلى مقاعد السياسة أمرا مفاجئا كما كان في السابق، بل صار يفرض نفسه كواحد من التحولات التي تعكس تداخل المجالات داخل المجتمع. غير أن هذا الإنتقال، رغم ما يحمله من بريق و إثارة، يضع أصحابه أمام امتحان حقيقي يختلف تماما عن عالم الشهرة، حيث لا مكان للتصفيق المجاني و لا للنجومية السريعة، بل لمعادلة معقدة عنوانها المسؤولية و المحاسبة و القدرة على الإقناع.

في الظاهر، يبدو الأمر مغريا؛ فالفنان يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، و صورة راسخة في أذهان الناس، و قدرة على التأثير في الرأي العام. هذه العناصر قد تمنحه أفضلية واضحة في السباق الإنتخابي، خاصة في سياق يعرف تراجع الثقة في عدد من الوجوه السياسية التقليدية. لكن في العمق، تتغير القواعد بالكامل. فالمؤسسة التشريعية لا تقاس فيها الشعبية بعدد المعجبين، بل بمدى القدرة على الترافع، و صياغة المقترحات، و مواكبة تفاصيل العمل البرلماني الذي يتطلب نفسا طويلا و معرفة دقيقة.

الرهان الحقيقي هنا لا يتعلق بدخول الفنان إلى السياسة، بل بما إذا كان قادرا على إعادة تشكيل ذاته داخل هذا المجال. فالفن، في جوهره، تعبير و إبداع و إحساس، بينما السياسة تدبير و حسابات و توازنات. و بين المجالين مسافة ليست بالهينة. من نجح في تقليص هذه المسافة إستطاع أن يمنح لتجربته معنى، و أن يحول حضوره إلى قيمة مضافة، خاصة في الملفات الثقافية و الإجتماعية التي تظل في حاجة إلى أصوات قريبة من نبض المجتمع. أما من اكتفى بالإعتماد على رصيده الفني، سرعان ما يجد نفسه خارج دائرة التأثير، حتى و إن ظل اسمه حاضرا في الواجهة.

و لا يمكن إنكار أن بعض التجارب أظهرت أن الفنان حين يمتلك قناعة حقيقية بالعمل السياسي، و يستثمر وقته في التعلم و الإنخراط الجدي، يمكن أن يقدم إضافة نوعية. فالقرب من الناس، و القدرة على التواصل، و فهم التحولات المجتمعية، كلها عناصر قد تمنحه حسا مختلفا في التعاطي مع القضايا. لكن في المقابل، كشفت تجارب أخرى أن الدخول إلى السياسة بدافع الشهرة فقط، أو كخطوة ظرفية، غالبا ما ينتهي بخيبة أمل، سواء للفنان نفسه أو للناخبين الذين وضعوا فيه ثقتهم.

الأحزاب السياسية بدورها تتحمل جزءا من المسؤولية في هذه الظاهرة، إذ لا يمكن تجاهل أن استقطاب أسماء فنية معروفة يتم أحيانا بمنطق إنتخابي صرف، يهدف إلى كسب الأصوات أكثر مما يهدف إلى بناء كفاءات سياسية حقيقية. و هذا ما يطرح إشكالا أخلاقيا و سياسيا، يتعلق بمدى جدية هذا الإختيار، و هل هو استثمار في الإنسان أم في صورته فقط. فحين يتحول الفنان إلى مجرد واجهة إنتخابية، يفقد العمل السياسي جزءا من مصداقيته، و يتحول إلى عرض آخر، لكن هذه المرة داخل فضاء يفترض فيه الجدية و الالتزام.

في النهاية، لا يمكن تعميم الحكم، لأن التجارب تختلف، و الرهانات ليست واحدة. فهناك من إستطاع أن ينتقل من دور الفنان المؤثر إلى دور الفاعل السياسي المسؤول، و هناك من ظل أسير صورته الأولى دون أن ينجح في بناء مسار جديد. و بين هذا و ذاك، يبقى المواطن هو الحكم الحقيقي، لأنه لم يعد ينخدع بسهولة بالبريق، بل أصبح يبحث عن المضمون، و عن من يدافع عن قضاياه بصدق داخل المؤسسات.

إن دخول الفنان إلى السياسة قد يكون فرصة، لكنه في الآن نفسه إختبار صعب، لا ينجح فيه إلا من يدرك أن الشهرة قد تفتح الباب، لكنها لا تكفي للبقاء داخله. فبين الأضواء و القرار، مسافة لا تقاس بالتصفيق، بل بمدى القدرة على تحويل الثقة إلى فعل، و الصورة إلى أثر حقيقي في حياة الناس.

" "
بقلم

محمد خـــــابة

أضف تعليقا