قهيوة مهرسة… آش خاصك آ المواطن؟ …راه الموسم بدا !
محمدفتاح –
كلما حل موسم المهرجانات و التبوريدة، أقول في نفسي: هذه فرصة لنعيش لحظة من تراثنا الجميل، ونستمتع بصهيل الخيل ودوي البارود. لكن ما إن أصل إلى ساحة الموسم، حتى أكتشف أن هناك فرجة أخرى لا تقل إثارة عن “السربة”.
فرجة خارج الميدان… هناك حيث يبدأ سباق من نوع آخر. هذا يبحث عن مقعد في المنصة، وذاك يفتش عن طريق الخيمة الكبيرة” الرسمية” وآخر يلهث وراء صورة مع مسؤول أو منتخب امام الخيول، وكأن الموسم لم يعد مناسبة للاحتفاء بالتراث، بل صار موسما لـ”العراضات” وإثبات الحضور.
المثير أن الوجوه نفسها لا تغيب. تراها في كل موسم، وكل مهرجان، تعرف طريق الولائم أكثر مما تعرف طريق الأحياء التي تنتظر مشروعا أو التفاتة تنموية. ومع اقتراب الانتخابات، يزداد الزحام، وتكثر الابتسامات والمصافحات، حتى يخيل إليك أن أصوات الناخبين تُجمع فوق الموائد، لا عبر البرامج ولا الإنجازات.
لكن، باش نكونو منصفين، ماشي غير “صحاب الوجاهة” اللي خاصهم يسمعو هاد الهضرة.
حتى حنا، كمواطنين، عندنا نصيب من التناقض. ننتقد المهرجانات في الجلسات، ونعتبرها تبذيرا للمال العام، ونطالب بتوجيه الأموال إلى الصحة والتعليم والشغل، لكن ما إن تطفتح أبواب الخيام، حتى يبدأ التسابق على الدعوات و”العراضات”. نرفض المشهد بالكلام، ثم نشارك فيه بالفعل. وصدق المثل: “اللي عاب شي حاجة… إلا جاتو ببلاش ما يرفضهاش.”
ولا يزيد الطين إلا بلة، أن بعض صفحات التواصل الاجتماعي لم تعد ترى من الموسم إلا الموائد العامرة والابتسامات العريضة والصور اللامعة، بينما تغيب عنها صورة المواطن الذي يقلب الدرهم أكثر من مرة قبل أن يدخل السوق، أو الشاب الذي ينتظر فرصة عمل، أو المريض الذي ينتظر موعدا في مستشفى.
ولكي لا يُفهم الكلام خارج سياقه، فالنقد ليس موجها إلى التبوريدة، فهي تراث نفتخر به جميعا، وستظل رمزا للفروسية المغربية. لكن التراث شيء، وتحويله إلى منصة لاستعراض النفوذ، والتسابق نحو الوجاهة، شيء آخر.
وعندما تطوى الخيام، ويغادر الضيوف، ويختفي دخان البارود، يبقى سؤال واحد معلقا: ماذا بقي للمواطن غير الصور التي ملأت الهواتف؟
جميل أن نحافظ على تراثنا، والأجمل أن نحافظ على كرامة المواطن. فالبارود لا ينبغي أن يحجب صوت من ينتظر مدرسة أفضل، ومستشفى يداوي، وفرصة عمل تفتح باب الأمل. لأن الخيام تطوى مع نهاية الموسم… أما هموم الناس، فلا تعرف موسما تنتهي فيه.




