عاجل
جمعيات وثقافة وفن

زبيدة الطويل في “قبل ما يسالي العمر”.. حين يتحول الزجل إلى مرآة للزمن والإنسان

محمد خـــــابة | | قراءة 3 د | 25 مشاهدة

زبيدة الطويل في “قبل ما يسالي العمر”.. حين يتحول الزجل إلى مرآة للزمن والإنسان

يظل الزجل المغربي أحد أكثر الأجناس الأدبية التصاقاً بالوجدان الشعبي، ليس فقط لارتباطه باللغة اليومية القريبة من الناس، بل لقدرته على تحويل التجارب الإنسانية البسيطة إلى رؤى فكرية وتأملات عميقة في الحياة والوجود. وفي هذا السياق، تندرج قصيدة “قبل ما يسالي العمر” للشاعرة والزجالة زبيدة الطويل باعتبارها نصاً زجلياً يحمل حمولة إنسانية وأخلاقية واضحة، ويستحضر أسئلة الزمن والفناء والأثر الذي يتركه الإنسان خلفه بعد الرحيل.

لا تتعامل الشاعرة مع الزمن باعتباره مجرد تعاقب للأيام والسنوات، بل تقدمه قوةً خفيةً تعيد تشكيل مصائر البشر وتذكرهم باستمرار بمحدودية وجودهم. ومن خلال تكرار عبارة “قبل ما” في مطالع المقاطع، تبني القصيدة إيقاعاً قائماً على الاستباق والتنبيه، وكأنها دعوة متواصلة إلى اغتنام ما تبقى من العمر قبل أن تُطوى الصفحة الأخيرة من كتاب الحياة.

وتستند زبيدة الطويل إلى معجم شعري غني بالرموز المستمدة من الطبيعة؛ فالشجر والجمر والقمر والبحر والعطر ليست مجرد عناصر جمالية، بل علامات دلالية تحيل إلى التحول والزوال والتجدد. فحين تتحدث عن سقوط أوراق الشجر أو انطفاء نور القمر، فإنها تستدعي صوراً كونية تعكس هشاشة الكائن الإنساني أمام حركة الزمن التي لا تتوقف.

وتكشف القراءة المتأنية للقصيدة أن النص لا يقف عند حدود التأمل في النهاية المحتومة، بل ينتقل إلى البحث عن المعنى الذي يمنح للحياة قيمتها. لذلك تجعل الشاعرة من الخير والتسامح والوفاء ركائز أساسية لمواجهة الفناء، مؤكدة أن ما يبقى من الإنسان ليس ما يملكه من مال أو جاه، بل ما يتركه من أثر طيب في قلوب الناس وذاكرتهم.

وتبرز هذه الرؤية بوضوح في الأبيات التي تدعو إلى تصفية القلوب ونبذ الحقد والمكر، حيث يتحول الخطاب الشعري إلى رسالة أخلاقية تتجاوز البعد الفردي لتلامس الهم الإنساني المشترك. فالقصيدة، في جوهرها، ليست حديثاً عن الموت بقدر ما هي احتفاء بالحياة حين تُعاش وفق قيم المحبة والإحسان والوفاء.

كما يلفت الانتباه حضور البعد الروحي في خاتمة النص، حيث تنتهي الرحلة الشعرية بالدعاء والتوجه إلى الله، في انسجام مع البناء الدلالي للقصيدة الذي ينطلق من التأمل في الزمن لينتهي عند اليقين بأن الإنسان، مهما طال مقامه في الدنيا، يبقى في حاجة إلى الرحمة الإلهية وإلى رصيد من الأعمال الصالحة.

وبذلك تقدم زبيدة الطويل نصاً زجلياً يزاوج بين الحكمة الشعبية والتأمل الوجودي، ويؤكد أن الزجل المغربي ما يزال قادراً على احتضان القضايا الإنسانية الكبرى بلغة بسيطة وقريبة من المتلقي، دون أن يفقد عمقه الفني أو قدرته على إثارة التفكير والتأمل.

بقلم

محمد خـــــابة

أضف تعليقا