إلهام أبارو.. امرأة الثقافة التي تجعل من الفن لغة للسلام والتواصل
عبد المجيد العزيزي –
في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية، تظل الثقافة واحدة من المساحات القليلة القادرة على جمع الإنسان حول المشترك، فيما يظل الفن لغة تتجاوز الحدود والاختلافات، وتمنح للذاكرة الجماعية فرصة الاستمرار في الحاضر.
ضمن هذا المشهد، يبرز حضور إلهام أبارو، رئيسة مؤسسة السلام الدولية للثقافات والفنون، في عدد من المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، حيث تحرص على مواكبة الفعاليات التي تحتفي بالإبداع المغربي وتمنح للتراث مساحة داخل الحياة الثقافية المعاصرة.
ولعل حضورها في سهرة الطرب الملحون يعكس هذا الاهتمام بالفنون التي تحمل في داخلها ذاكرة مجتمع بأكمله. فالملحون ليس مجرد أداء موسيقي أو قصائد تلقى أمام الجمهور، وإنما موروث ثقافي تختزن كلماته صوراً من الحياة المغربية، وتحضر فيه الحكمة والتجربة الإنسانية واللغة الشعرية.
ومن هنا، فإن الاحتفاء بالملحون لا يعني فقط استحضار الماضي، بل يعني أيضاً إعادة طرح سؤال العلاقة بين الأجيال الجديدة وتراثها. كيف نحافظ على الذاكرة دون أن نحولها إلى مادة جامدة؟ وكيف نجعل التراث قادراً على مخاطبة الإنسان المعاصر؟
أسئلة تجعل من المهرجان الثقافي أكثر من مجرد موعد للفرجة؛ فهو فضاء اجتماعي تتقاطع فيه الموسيقى والذاكرة والعلاقات الإنسانية. وفيه يلتقي الفنان بالجمهور، ويلتقي الماضي بالحاضر، وتتحول الثقافة إلى مجال للتواصل بين مختلف الفئات والأجيال.
ومن هذه الزاوية السوسيولوجية، يمكن فهم أهمية الحضور المتواصل لإلهام أبارو في مثل هذه التظاهرات، باعتباره مواكبة للفعل الثقافي والفني، وإيماناً بأن المؤسسات والفاعلين في المجال الثقافي يمكن أن يساهموا في جعل الفن جزءاً من النقاش المجتمعي.
فالثقافة ليست ترفاً، والفن ليس مجرد لحظة احتفالية عابرة. كلاهما يشكلان جزءاً من البنية الرمزية للمجتمع، ومن خلالهما تعبر الجماعات عن ذاكرتها وقيمها وتصوراتها للإنسان والحياة.
وإذا كان السلام يُفهم في كثير من الأحيان من زاوية سياسية أو دبلوماسية، فإن الثقافة تقدم له معنى آخر؛ سلام يبدأ من القدرة على الاستماع إلى الآخر، واحترام الاختلاف، والتعرف على ثقافته وفنه وذاكرته. وهنا تبرز أهمية الجمع بين الثقافة والفنون وقيم السلام والتواصل.
إن حضور إلهام أبارو في المهرجانات الثقافية والفنية، وخاصة في المناسبات التي تحتفي بالتراث، يندرج ضمن هذا الفضاء الذي تتقاطع فيه الثقافة مع المجتمع، والفن مع الذاكرة، والإبداع مع قيم الحوار.
ولعل القيمة الحقيقية لأي مشروع ثقافي لا تقاس فقط بعدد الأنشطة التي ينظمها أو المناسبات التي يحضرها، وإنما بقدرته على ترك أثر في الوعي الجماعي، وعلى جعل الثقافة جسراً يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة اكتشاف ما راكمه المجتمع من ثروة رمزية وفنية.
وهكذا، تواصل إلهام أبارو حضورها في المشهد الثقافي والفني، ليس باعتبارها اسماً يمر في المناسبات، وإنما باعتبارها فاعلة ثقافية تواكب فضاءات الإبداع والتراث، وتؤكد من خلال هذا الحضور أن الفن يمكن أن يكون لغة مشتركة، وأن الثقافة قادرة على بناء جسور التواصل حين تجد من يحمل رسالتها بوعي ومسؤولية.
وفي زمن تتعدد فيه أشكال التواصل، تبقى الموسيقى والكلمة والفن قادرة على الوصول إلى الإنسان بطريقة لا تحتاج دائماً إلى ترجمة. وربما هنا تكمن قوة الثقافة: أنها تجعل المختلفين يلتقون حول لحظة إنسانية واحدة، كما يحدث في سهرة طرب، أو قصيدة ملحون، أو لوحة فنية، أو مهرجان يحتفي بالذاكرة والإبداع.
إلهام أبارو، من خلال حضورها في هذه الفضاءات، تضع الثقافة والفن في موقعهما الطبيعي: مساحة للإنسان، وللذاكرة، وللتواصل، وللسلام.




