عاجل
أقلام حرة

كوثر عوينات.. ريشة على خطى ابن بطوطة في ذاكرة المدن المغربية

lamarocaine | | قراءة 3 د | 36 مشاهدة

كوثر عوينات.. ريشة على خطى ابن بطوطة في ذاكرة المدن المغربية

ليست كل الرحلات بحثاً عن مكان جديد؛ فهناك رحلات يكون مقصدها اكتشاف الحكاية الكامنة خلف المكان، والبحث عن ذاكرة تختبئ في الأزقة والمآثر والعادات والتقاليد. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة الفنانة التشكيلية كوثر عوينات كرحلة فنية تستلهم، بشكل رمزي، روح الرحالة المغربي ابن بطوطة.

فكما جعل ابن بطوطة من السفر وسيلة لاكتشاف المدن والناس والثقافات، تجعل كوثر عوينات من الرحلة نافذة لاكتشاف المغرب بعين الفنانة وريشة التشكيل.

من طنجة إلى تطوان، ومن تطوان إلى وزان، تتنقل الفنانة بين مدن مختلفة في ملامحها، لكنها غنية بذاكرتها التاريخية والثقافية والإنسانية. كل مدينة تمنحها حكاية، وكل حكاية تفتح أمام الريشة عالماً من التفاصيل.

في طنجة، تلتقي الذاكرة المغربية بانفتاح المدينة على البحر وثقافات متعددة، فتبدو المدينة فضاءً بصرياً غنياً بالتفاصيل والحكايات. وفي تطوان، تحضر خصوصية المدينة العتيقة وملامحها المعمارية وتراثها الثقافي، بينما تقدم وزان بدورها عالماً آخر من الذاكرة المحلية والعادات والتقاليد والتفاصيل اليومية.

وهنا لا يصبح الفن التشكيلي مجرد محاولة لرسم المكان، وإنما وسيلة لإعادة قراءته.

فالباب القديم، والزقاق، والنوافذ، والزخارف المعمارية، والأسواق، والأزياء التقليدية، والعادات المتوارثة، كلها يمكن أن تتحول من تفاصيل عابرة إلى عناصر في ذاكرة بصرية تحفظ شيئاً من روح المدن.

وتكمن خصوصية هذه الرحلة في الجمع بين الفن والسفر والتاريخ والذاكرة الشعبية. فالفنانة لا تنظر إلى المدينة باعتبارها فضاءً جغرافياً فقط، بل باعتبارها كائناً حياً يحمل آثار الذين مروا منه، وملامح الذين يعيشون فيه، وحكايات تتناقلها الأجيال.

ومن مدينة إلى أخرى، تتغير الألوان والتفاصيل والإيقاعات، لكن الحكاية الكبرى تبقى واحدة: مغرب متعدد في جغرافيته، غني في تراثه، ومتنوّع في عاداته وتقاليده وذاكرته الإنسانية.

ومن هنا يمكن فهم التشبيه الرمزي بابن بطوطة؛ فالرحالة المغربي جعل من التنقل وسيلة لاكتشاف العالم وتسجيل مشاهده، بينما تجعل كوثر عوينات من التنقل وسيلة لاكتشاف المغرب وإعادة تقديمه من خلال لغة اللون والشكل والإحساس.

إنها رحلة لا تبحث فقط عن المدن، وإنما عن الإنسان الموجود خلف المدينة، وعن الذاكرة الموجودة خلف الحجر، وعن الحكاية الموجودة خلف التفاصيل.

فكل مدينة لها روح، وكل روح لها حكاية، وكل حكاية يمكن أن تجد طريقها إلى لوحة.

وهكذا تتحول رحلة كوثر عوينات بين طنجة وتطوان ووزان إلى رحلة داخل الذاكرة المغربية نفسها؛ رحلة تلتقي فيها الريشة بالتاريخ، والفن بالتراث، والمكان بالإنسان.

وربما هنا تكمن قيمة الفن: أن يجعلنا نعيد النظر في الأشياء التي اعتدنا رؤيتها، وأن يذكرنا بأن المكان الذي نعبره كل يوم قد يخفي حكاية تستحق أن تُروى.

كوثر عوينات لا ترسم المدن فقط، بل تحاول أن تصغي إلى ذاكرتها، ثم تمنح تلك الذاكرة لغة أخرى: لغة اللون والريشة والفن.

" "
بقلم

lamarocaine

أضف تعليقا