سوق الدلالة: حين تُباع الضمائر بالجملة ويُغلق السوق بالخسارة
سوق الدلالة: حين تُباع الضمائر بالجملة ويُغلق السوق بالخسارة
يونس علالي
انفضّ سوق الدلالة أخيراً، اشترى من اشترى، وباع من باع، وانتهى المزاد كما تنتهي أي بضاعة في الأسواق: بعضهم عاد محمّلاً بما اقتناه، وبعضهم عاد خالي الوفاض، أما الضمائر فكان عرضها، على ما يبدو، أكبر بكثير من حجم الطلب.
في هذا السوق الغريب، لم تكن البضاعة معروضة على الرفوف، بل كانت مواقف وأصواتاً ووعوداً. والسماسرة لم يكونوا في حاجة إلى كثير من المساومة؛ فبعض أصحاب “الرؤوس الفارغة” كانوا مستعدين لتقديم بضاعتهم بأقل ثمن، وربما بلا ثمن أصلاً، يكفي فقط أن يصلهم ما يجعلهم يشعرون للحظات أنهم جزء من الصفقة.
لكن المفارقة أن السوق، بعد انتهاء الحملة، أصبح فارغاً، لا حركة، لا ضجيج، لا سماسرة، ولا حتى بضاعة صالحة لإعادة البيع. لم يبقَ في المكان سوى شيء من الحسرة، وبعض المتلاشيات من الكرامة، وذكريات أيام كان فيها كل شيء قابلاً للمساومة.
أما أصحاب البضاعة الحقيقيون فقد رحلوا.
رحلوا بعدما انتهى موسم البيع، ولن نراهم مرة أخرى في القريب.
وسيعودون، نعم، لكن الموعد مؤجل إلى سوق آخر، بعد خمس سنوات كاملة. خمس سنوات قد تبدو قصيرة في التقويم، لكنها طويلة جداً على من اكتشف متأخراً أنه باع موقفه في لحظة، ثم اضطر إلى العيش مع ثمنه طوال المدة.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الذين باعوا اليوم لن يجدوا غداً شيئاً يبيعونه.فمن باع صوته مرة، ماذا سيبيع في المرة المقبلة؟
ومن استهلك رصيده من الثقة، بأي عملة سيشتريها من جديد؟
ومن جعل من ضميره سلعة موسمية، ماذا سيفعل عندما ينتهي الموسم وتغلق الدكاكين؟
انتهت الحملة، وانتهى معها ثمن الضمير،أما السوق، فقد أغلق أبوابه مؤقتاً، تاركاً وراءه فاتورة لا تُدفع بالمال، وإنما بالندم، وبخمس سنوات طويلة من الانتظار.
ولعل الدرس الوحيد الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً بعد إغلاق السوق هو أن بعض السلع، مهما ارتفع ثمنها في لحظة، تفقد قيمتها بمجرد انتهاء المزاد.
فالكرامة ليست بضاعة موسمية، والضمير ليس ورقة انتخابية، ومن يبيع نفسه مرة قد يكتشف، بعد انفضاض السوق، أنه لم يعد يملك شيئاً يشتري به احترام الناس.




