حين كانت الأرض تبتسم للفلاح.. طقوس التذرية تراث لا يشيخ
حين كانت الأرض تبتسم للفلاح.. طقوس التذرية تراث لا يشيخ
بقلم: عبد المجيد العزيزي
في عمق البادية المغربية، حيث تمتد الحقول على سفوح الجبال وتتعانق السنابل مع نسائم الريح، كانت التذرية واحدة من أبرز المحطات التي تعقب موسم الحصاد. لم تكن مجرد عملية فلاحية لفصل الحبوب عن التبن، بل كانت طقساً اجتماعياً وثقافياً يعكس علاقة الإنسان بالأرض، ويجسد قيم التعاون والصبر والإيمان ببركة العمل.
وكان الفلاح المغربي يعتمد على أدوات بسيطة، أبرزها المجرفة الخشبية، ليرفع الحبوب المختلطة بالتبن نحو السماء، تاركاً للرياح مهمة الفصل بينهما. فيسقط القمح نقياً في الأسفل، بينما يتطاير التبن مع الهواء، في مشهد يختزل حكمة الأجداد الذين أتقنوا استثمار الطبيعة قبل ظهور التقنيات الحديثة.
ولم تكن التذرية عملاً فردياً، بل مناسبة تتكاتف فيها الأسر والجيران، حيث يتقاسم الجميع الجهد والفرحة بانتهاء موسم شاق من الحرث والبذر والحصاد. وكانت هذه اللحظات تُرافقها أحاديث الود، والأهازيج الشعبية، والدعوات بأن يجعل الله الموسم عامراً بالخير والبركة.
ورغم ما شهدته الفلاحة من تطور كبير بفضل الآلات العصرية، فإن صور التذرية التقليدية ما تزال تحتفظ بمكانة خاصة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، لأنها تروي قصة أجيال بنت حضارة الأرض بعرقها، ورسخت ثقافة الاعتماد على النفس واحترام الطبيعة.
إن الحفاظ على هذا الموروث لا يعني العودة إلى الوسائل القديمة، بل يعني صون الذاكرة الفلاحية المغربية، وتوثيق العادات والتقاليد التي شكلت هوية القرى، وأسهمت في تحقيق الأمن الغذائي عبر قرون طويلة. فهذه المشاهد ليست مجرد صور من الماضي، بل صفحات مضيئة من تاريخ الإنسان المغربي، تؤكد أن الأرض كانت دائماً تبتسم لمن يزرعها بإخلاص، ويجني خيرها بعرق الجبين.




