عاجل
واجهة

بين تثمين المنجزات واستشراف المستقبل… قراءة في مضامين الخطاب الملكي السامي

Rachid bouricha | | قراءة 4 د | 121 مشاهدة

رشيد بوريشة –

لم يكن خطاب العرش الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الشعب المغربي مجرد مناسبة بروتوكولية مرتبطة بالاحتفال بذكرى اعتلاء العرش، بل جاء وثيقة سياسية واستراتيجية متكاملة، رسمت ملامح المرحلة المقبلة، وحددت أولويات الدولة، ووجهت رسائل واضحة إلى الداخل والخارج في آن واحد. فقد حمل الخطاب في مضامينه تأكيداً على أن المغرب ماضٍ في ترسيخ نموذج تنموي يقوم على الاستقرار والإصلاح والإنجاز، مع التشديد على أن التحديات القائمة لا ينبغي أن تحجب حجم التحولات التي تشهدها المملكة في مختلف المجالات.

ومن خلال القراءة المتأنية للخطاب، يبرز أن جلالة الملك حرص على ترسيخ خطاب الثقة، معتبراً أن المغرب استطاع، رغم الأزمات الدولية والتقلبات الاقتصادية والإقليمية، الحفاظ على توازنه وتعزيز مكانته كدولة مستقرة وقادرة على مواصلة مسارها التنموي. ولم يكن هذا التأكيد مجرد توصيف للواقع، بل رسالة موجهة إلى مختلف الفاعلين، مفادها أن المملكة تمتلك من المقومات والمؤسسات ما يجعلها قادرة على مواجهة التحديات ومواصلة الإصلاحات الكبرى بثبات واستمرارية.

كما عكس الخطاب توجهاً واضحاً نحو تثمين الحصيلة الاقتصادية للمغرب، من خلال استحضار المؤشرات التي حققتها المملكة في قطاعات استراتيجية كالصناعة، والسيارات، والطيران، والسياحة، والطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والأمن الغذائي والدوائي. ولم يكن الهدف من استعراض هذه المنجزات الاكتفاء بتقديم حصيلة رقمية، بل إبراز التحول العميق الذي يشهده الاقتصاد المغربي، وانتقاله من اقتصاد يعتمد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة وجذب الاستثمارات، بما ينسجم مع الرؤية الملكية الرامية إلى جعل المغرب منصة صناعية واستثمارية إقليمية وقارية.

وفي الجانب السياسي، حمل الخطاب إشارات ذات دلالات عميقة، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث أكد جلالة الملك أن المرحلة القادمة ينبغي أن تشكل امتداداً لمسار الإصلاح، وأن المؤسسات المنتخبة مطالبة بمواصلة الأوراش الكبرى التي أطلقتها الدولة، بما يكرس مبدأ استمرارية السياسات العمومية بعيداً عن الحسابات الظرفية أو التغيرات الحكومية. وهي رسالة تؤكد أن الرهان الأساسي ليس تغيير الأشخاص، وإنما ضمان استمرارية المشاريع الاستراتيجية وتحقيق النجاعة في تنفيذها.

ومن أبرز ما ميز الخطاب أيضاً، التأكيد على أن الأمن والاستقرار يشكلان الدعامة الأساسية لكل مشروع تنموي. ففي عالم تتزايد فيه الأزمات والنزاعات، قدم الخطاب النموذج المغربي باعتباره قائماً على التوازن بين التنمية والأمن، وهو ما يفسر المكانة التي خص بها جلالة الملك مختلف المؤسسات الأمنية والعسكرية، من القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والإدارة الترابية والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية، موجهاً إليها عبارات التقدير والاعتزاز على ما تبذله من جهود متواصلة في حماية الوطن والدفاع عن وحدته الترابية وصيانة أمن المواطنين واستقرارهم. وتعكس هذه الإشادة قناعة راسخة بأن التنمية لا يمكن أن تزدهر إلا في ظل مؤسسات قوية قادرة على حماية الدولة وضمان سيادة القانون.

كما حمل الخطاب بعداً وطنياً ورمزياً من خلال استحضار شهداء الوطن، وفي مقدمتهم جلالة المغفور لهما الملك محمد الخامس والملك الحسن الثاني، في رسالة تؤكد استمرارية الدولة المغربية وتواصل مشروعها التاريخي، وترسخ قيم الوفاء والاعتراف بالأدوار التي أسهمت في بناء المغرب الحديث وتعزيز وحدته واستقلاله.

وعلى المستوى الاستراتيجي، يمكن اعتبار الخطاب بمثابة إعلان عن مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ المكتسبات وتسريع وتيرة الإصلاح، دون التفريط في الثوابت الوطنية التي يقوم عليها النموذج المغربي. فقد جمع بين الواقعية والطموح، وبين الاعتزاز بما تحقق والدعوة إلى بذل مزيد من الجهود، مؤكداً أن مستقبل المملكة رهين باستمرار الاستثمار في الإنسان، وتعزيز الاقتصاد المنتج، وترسيخ دولة المؤسسات، وصيانة الأمن والاستقرار، والحفاظ على الوحدة الوطنية باعتبارها الأساس الذي تُبنى عليه كل مشاريع التنمية.

وبذلك، فإن خطاب العرش لم يقتصر على استعراض منجزات أو إطلاق وعود جديدة، بل جاء ليؤكد أن المغرب دخل مرحلة ترسيخ الخيارات الكبرى التي تبناها خلال السنوات الأخيرة، وأن الرهان اليوم يتمثل في تحويل هذه الخيارات إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين، وتعزز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً، في ظل قيادة ملكية تجعل من الاستقرار والإصلاح والتنمية المتوازنة ركائز أساسية لبناء مغرب المستقبل.

بقلم

Rachid bouricha

أضف تعليقا