من تشومسكي إلى «البوز».. عندما يصبح الصراع مادة إعلامية والفكر هامشاً
عبد المجيد العزيزي –
لم يعد السؤال في زمن الإعلام الرقمي يقتصر على معرفة ما الذي تنشره وسائل الإعلام، بل أصبح السؤال الأهم: كيف تُحدد الأولويات الإعلامية، ولماذا تحظى بعض الوقائع العابرة باهتمام واسع، بينما تكافح الأفكار الفكرية والثقافية العميقة للوصول إلى الجمهور؟
هنا يستحضر اسم المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، الذي جعل الإعلام نفسه موضوعاً للتحليل والنقد. ففي سنة 1988 نشر، بالاشتراك مع إدوارد س. هيرمان، كتابهما الشهير Manufacturing Consent، الذي عُرف بالعربية بـ«صناعة القبول»، وقدما فيه ما أصبح يعرف بـ«نموذج الدعاية»، لتحليل تأثير ملكية وسائل الإعلام والإعلانات ومصادر الأخبار والضغوط المختلفة في طبيعة المعلومات التي تصل إلى الجمهور.
غير أن الإعلام تغير كثيراً منذ ذلك الحين. فقد انتقلنا من عصر الصحيفة والتلفزيون إلى عصر المنصات الرقمية والخوارزميات، حيث أصبح الانتباه سلعة ثمينة، وأصبحت سرعة الانتشار والتفاعل مؤشرين أساسيين في تحديد المحتوى الذي يظهر أمام الجمهور.
ومن هنا برزت ظاهرة «البوز». فخلاف بين شخصيتين، أو تصريح صادم، أو مشهد مثير، يمكن أن يحصد آلاف المشاهدات خلال ساعات، بينما قد يحتاج كتاب أو بحث اجتماعي أو حوار مع مفكر إلى أيام وشهور حتى يجد جمهوره.
لكن المشكلة ليست في الخبر المثير بحد ذاته، ولا في تغطية خلاف بين فنان وصحافي إذا كان يحمل قيمة إخبارية. المشكلة تبدأ عندما يتحول التفاعل إلى معيار وحيد للأهمية، فيصبح الصراع أهم من الفكرة، والصورة أهم من السياق، والتصريح العابر أكثر حضوراً من البحث والمعرفة.
ولا يمكن تحميل وسائل الإعلام وحدها المسؤولية، فالجمهور جزء من هذه المعادلة. عندما ينجذب المتابعون بكثافة إلى محتوى الخلاف والإثارة، بينما يمنحون وقتاً أقل للقراءة والتحليل والحوار الثقافي، فإن المنصات والمؤسسات الإعلامية تجد نفسها أمام حافز لإنتاج المزيد من المحتوى الذي يضمن التفاعل.
وهكذا تتشكل دائرة متبادلة: الجمهور يتفاعل، والخوارزمية تضخّم الانتشار، والمؤسسة الإعلامية تلاحق الأرقام، ثم يعاد إنتاج المحتوى نفسه.
ومع ذلك، تظل وظيفة الصحافة أوسع من ملاحقة المشاهدات. فالصحافة المهنية مطالبة بالتحقق، وتقديم السياق، وطرح الأسئلة، ومناقشة القضايا التي تمس المجتمع، من التعليم والهجرة والثقافة إلى الذكاء الاصطناعي وسوق العمل ومستقبل الشباب.
لذلك، فإن التحدي أمام الصحافة المغربية والعربية ليس إلغاء الأخبار الخفيفة أو تجاهل الشخصيات العامة، وإنما استعادة التوازن بين الخبر والفكرة، وبين السرعة والعمق، وبين الإثارة والمعرفة.
فالصحافة الناجحة ليست التي تنقل ما حدث فقط، بل التي تسأل أيضاً: لماذا حدث؟ وما سياقه؟ ومن المتضرر؟ وما آثاره؟
وربما تكمن راهنية تشومسكي اليوم في هذا السؤال تحديداً: من يحدد ما الذي يستحق أن نراه، وما الذي يستحق أن نناقشه، وما الذي يستحق أن يبقى في دائرة الضوء؟
المشكلة ليست في وجود «البوز»، فالإثارة جزء من الإعلام منذ زمن طويل، وإنما في أن يصبح «البوز معيار الحقيقة، والمشاهدة معيار الأهمية، والخلاف معيار القيمة».
عندها قد تصبح لحظة غضب أكثر حضوراً من كتاب، وتصريح عابر أكثر انتشاراً من بحث، ومشهد قصير أكثر تأثيراً من سنوات من العمل الفكري.
أما المجتمع الذي يوازن بين الخبر والفكرة، وبين الصورة والسياق، وبين السرعة والعمق، فإنه لا يكتفي باستهلاك الإعلام، بل يصبح قادراً على مساءلته وصناعة إعلام أكثر مهنية ووعياً وإنسانية.




