عاجل
واجهة

23 يوليوز 1999… الليلة التي بكى فيها المغاربة ملكهم: حين صمتت القلوب و رحل الحسن الثاني

Rachid bouricha | | قراءة 4 د | 29 مشاهدة

عبدالله خباز –

قبل دقائق من انتصاف يوم الثالث و العشرين من يوليوز سنة 1999، كان المغرب يعيش يوما عاديا من أيام الصيف، قبل أن يتحول في لحظات إلى واحدة من أكثر الليالي حزنا في تاريخه الحديث. ففي مساء ذلك اليوم، دوى الخبر الذي لم يكن أحد يتمنى سماعه، و أعلن الديوان الملكي وفاة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، بعد مسيرة إمتدت لما يقارب ثمانية و ثلاثين عاما على رأس الدولة المغربية. كان الخبر أشبه بصدمة أصابت المغاربة في العمق، إذ خيم الصمت على البيوت، و تحولت الشوارع إلى مشاهد يغمرها الذهول، و اختلطت الدموع بالدعوات، بينما كان الجميع يدرك أن صفحة استثنائية من تاريخ المملكة قد طويت برحيل أحد أبرز قادتها.

لم يكن الملك الحسن الثاني بالنسبة للمغاربة مجرد رئيس للدولة، بل كان رمزا للإستقرار و وحدة البلاد، و قائدا إرتبط اسمه بمحطات مفصلية صنعت تاريخ المغرب الحديث. فمنذ اعتلائه العرش سنة 1961، قاد المملكة في ظروف إقليمية و دولية معقدة، و عمل على ترسيخ مؤسسات الدولة، و تعزيز مكانة المغرب قاريا و دوليا، و إطلاق مشاريع تنموية و إصلاحات مست مختلف القطاعات، كما ارتبط اسمه بالدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، و على رأسها تنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975، التي شكلت محطة تاريخية خالدة في ذاكرة المغاربة.

و في عهده، شهد المغرب إنجازات مهمة في مجالات البنيات التحتية و التعليم و الفلاحة و الإقتصاد و الدبلوماسية، إلى جانب ترسيخ حضور المملكة في المحافل الدولية و الإقليمية، حيث كان الملك الحسن الثاني يحظى باحترام واسع بين قادة العالم، لما عُرف عنه من حنكة سياسية و قدرة على إدارة الأزمات، حتى أصبح أحد أبرز الشخصيات السياسية العربية و الإفريقية خلال القرن العشرين.

غير أن كل تلك الإنجازات لم تمنع الحزن من أن يطغى على وجوه المغاربة في ليلة الرحيل. فقد خرج المواطنون، كبارا و صغارا، إلى الشوارع و الساحات و هم غير مصدقين أن الملك الذي اعتادوا سماع خطاباته و رؤيته في المناسبات الوطنية قد غادر إلى دار البقاء. توقفت مظاهر الفرح، و أغلقت محلات تجارية أبوابها، و ارتفعت الأدعية في المساجد و البيوت، بينما تناقلت وسائل الإعلام مشاهد مؤثرة لمواطنين لم يتمالكوا أنفسهم أمام هول الفاجعة.

و في الأيام التي تلت الإعلان عن الوفاة، تحولت العاصمة الرباط إلى قبلة لعشرات الوفود الرسمية القادمة من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في مراسم تشييع جثمان الراحل. و كان المشهد مهيبا بكل المقاييس، حيث احتشدت جموع غفيرة من المغاربة على امتداد شوارع العاصمة لإلقاء النظرة الأخيرة على ملكهم، في جنازة تاريخية تعد من أكبر الجنازات التي عرفتها المملكة، بل و من أبرز الجنازات الرسمية التي شهدها العالم آنذاك.

و لم يقتصر الحزن على المغرب وحده، بل امتد إلى مختلف العواصم العربية و الإفريقية و الأوروبية و العالمية، حيث توالت برقيات التعزية و رسائل المواساة من رؤساء الدول و الملوك و الأمراء، الذين أشادوا بمناقب الفقيد الكبير و بالدور الذي اضطلع به في خدمة السلام و الإستقرار و تعزيز الحوار بين الشعوب. كما أعلنت العديد من الدول تنكيس الأعلام، و خصصت وسائل الإعلام العالمية تغطيات واسعة لاستحضار مسيرته السياسية و مكانته الدولية.

و بينما كانت دموع الفراق تملأ العيون، كان المغاربة يستقبلون مرحلة جديدة من تاريخهم، بعد أن أدى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، القسم ملكا للمملكة المغربية، في انتقال سلس للعرش جسد متانة الدولة المغربية و عمق مؤسساتها، و استمرارا للعرش العلوي المجيد الذي حافظ على استقرار البلاد عبر القرون.

و بعد سبعة و عشرين عاما على ذلك اليوم الأليم، لا يزال الثالث و العشرون من يوليوز محفورا في ذاكرة المغاربة، ليس فقط لأنه يوم رحيل ملك، و إنما لأنه يوم فقد فيه الوطن قائدا طبع مرحلة كاملة من تاريخه السياسي و الدبلوماسي و التنموي. و لا تزال صور الجنازة المهيبة، و دموع المواطنين، و الخطابات التي أرخت لتلك اللحظة، شاهدة على حجم المحبة التي كان يحظى بها الراحل في قلوب شعبه.

رحم الله جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، و أسكنه فسيح جناته، و جزاه خير الجزاء عما قدمه لوطنه و شعبه، و أدام على المملكة المغربية نعمة الأمن و الإستقرار و الإزدهار في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله و أيده.

بقلم

Rachid bouricha

أضف تعليقا