عاجل
أقلام حرة

السياسي يرقص.. و الطبول تقرع.. فهل تحولت الإنتخابات إلى موسم للفرجة؟

Rachid bouricha | | قراءة 4 د | 206 مشاهدة

عبدالله خباز –

سبحان الله… ما إن تقترب الإستحقاقات اإانتخابية حتى يتغير المشهد في عدد من المناطق، و كأن زرا خفيا جرى تشغيله في المشهد السياسي. فجأة، تتحول القرى و المداشر و المناطق الجبلية إلى وجهة مفضلة للزيارات و اللقاءات، و تبدأ الجولات المارطونية للسياسيين، و تكثر الصور و المصافحات و الوعود، و تعلو أصوات الموسيقى و الزغاريد و الطبول. واحد يرقص على إيقاع البندير، و آخر يحرك كتفيه، و ثالث يضرب على التعريجة، و رابع يوزع الإبتسامات هنا و هناك… و كأننا أمام موسم احتفالي، لا أمام لحظة سياسية يفترض أن تكون مناسبة لمناقشة قضايا الناس و انتظاراتهم و مستقبل مناطقهم.

المشكلة ليست في الفرح، و لا في الثقافة الشعبية، و لا في البندير و التعريجة، و لا في أن يستقبل المواطنون ضيوفهم بالترحاب. فهذه مظاهر اجتماعية و ثقافية أصيلة لا ينبغي تحويلها في حد ذاتها إلى موضع اتهام. المشكلة تبدأ عندما يصبح المشهد الإحتفالي هو عنوان الزيارة السياسية، بينما تختفي خلفه الأسئلة الحقيقية التي تنتظر أجوبة واضحة: ماذا تحقق لهذه المناطق؟ ماذا تغير في حياة سكانها؟ أين هي الطرق اللائقة؟ أين الخدمات الصحية القريبة؟ ماذا عن النقل المدرسي، و الماء، و التعليم، و فرص الشغل، و دعم الفلاحين، و البنيات الأساسية، و ربط القرى بالعالم الحضري؟ و الأهم من ذلك كله: ماذا سيحدث بعد انتهاء موسم الزيارات و انطفاء مكبرات الصوت و عودة السياسيين إلى مكاتبهم؟

و اللافت أن بعض المواطنين أنفسهم يدخلون في هذه الأجواء بحماس كبير، فيصفقون و يرقصون و يهتفون، و كأن معاناتهم الطويلة لم تكن موجودة أصلا. لكن هل يمكن أن نقول إن هذا التصفيق يعني بالضرورة أن الناس راضون عن واقعهم؟ بالتأكيد لا. المواطن قد يصفق للضيف احتراما، و قد يفرح باللحظة، و قد يبحث ببساطة عن فسحة من الفرح وسط واقع صعب. و لذلك من الظلم اختزال المواطن في صورة شخص “يصفق و ينسى معاناته”. فالمواطن المغربي، في القرى كما في المدن، يعرف جيدا ما ينقصه، و يعرف الفرق بين الوعد و الإنجاز، و بين الزيارة الموسمية و الحضور الدائم.

غير أن المسؤولية لا تقع على السياسي وحده. المواطن أيضا شريك أساسي في العملية الإنتخابية، و صوته ليس تصفيقا و لا مجاملة و لا مقابل وجبة أو هدية أو خدمة عابرة. الصوت الإنتخابي شهادة و مسؤولية، و منحه لمن يستحقه ينبغي أن يكون مبنيا على الحصيلة و البرنامج و النزاهة و القدرة على الدفاع عن مصالح السكان، لا على عدد الطبول التي قرعت و لا على عدد الصور التي التقطت. و إذا كان من حق السياسي أن يطلب ثقة الناس، فمن حق الناس أيضا أن يسألوه: ماذا فعلت عندما كنت في موقع المسؤولية؟ و ماذا ستفعل تحديدا إذا منحناك ثقتنا؟

أما المناطق الجبلية و القرى، فلا ينبغي أن تتحول إلى “محطات إنتخابية” تظهر على الخريطة فقط عندما تقترب الإستحقاقات. هذه المناطق تحتاج إلى سياسات عمومية مستمرة، و إلى مشاريع تنموية حقيقية، و إلى عدالة مجالية تجعل المواطن يشعر بأن انتماءه إلى قرية بعيدة أو منطقة جبلية لا يعني أنه مواطن من الدرجة الثانية. فالطريق التي يسلكها التلميذ يوميا، و المستوصف الذي ينتظر فيه المريض، و الماء الذي تبحث عنه الأسرة، و النقل الذي يعاني منه العامل و الطالب، كلها قضايا أكبر بكثير من صورة إنتخابية عابرة أو رقصة أمام عدسة هاتف.

و مع ذلك، يبقى الأمل قائما في أن تتحول هذه الزيارات من “موسم للطبول” إلى موسم للمحاسبة السياسية و النقاش الجاد. فبدلا من أن يكون السؤال: من رقص أكثر؟ و من صفق له الناس أكثر؟ و من نظم استقبالا أكبر؟ ينبغي أن يصبح السؤال: من قدم برنامجا واقعيا؟ من عرض حصيلة بالأرقام؟ من تحدث عن مشاكل المنطقة بصراحة؟ و من إمتلك الشجاعة ليقول للناس ما يمكن تحقيقه و ما يستحيل تحقيقه؟ فالسياسة ليست حفلا، و الإنتخابات ليست عرسا ينتهي بانتهاء الأغنية.

في النهاية، قد تصمت الطبول بعد انتهاء الموسم، و قد تتوقف الزيارات، و قد تختفي الوجوه التي ملأت الساحات و القرى، لكن مشاكل المواطنين لا تختفي معها. و لذلك فإن أجمل ما يمكن أن تقدمه القرى و الجبال للسياسة ليس كثرة التصفيق، و إنما قوة السؤال، و وعي الإختيار، و صرامة المحاسبة. أما السياسي الذي يريد فعلا خدمة الناس، فلن يحتاج إلى كثير من الرقص و الضجيج كي يثبت حضوره؛ فالحصيلة وحدها قادرة على التصفيق له، و الإنجاز وحده قادر على أن يرفع إسمه في ذاكرة المواطنين.

" "
بقلم

Rachid bouricha

أضف تعليقا