التزكية الحزبية صفقة والسياسة تجارة… الخاسر هو المواطن
يونس علالي –
لم تعد أزمة العمل الحزبي مرتبطة فقط بضعف الخطاب السياسي أو محدودية البرامج، بل باتت، في بعض الممارسات، أعمق من ذلك بكثير.
إنها أزمة قيم ومعايير، حين تتحول السياسة من فضاء للتنافس حول الأفكار والمشاريع إلى مجال تحكمه الحسابات الشخصية، والمصالح الضيقة، ومنطق النفوذ والمال.
ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تطفو على السطح مظاهر تثير أكثر من علامة استفهام حول الطريقة التي تُصنع بها بعض الترشيحات، وحول المعايير التي تمنح على أساسها التزكيات.
فبدل أن تكون الكفاءة والنزاهة والتجربة الميدانية والقدرة على تمثيل المواطنين هي العنوان، يصبح القرب من دوائر القرار، أو قوة العلاقات، أو الإمكانات المالية، عوامل أكثر تأثيرا من تاريخ طويل من العمل والنضال.
في هذه الحالة، لا يعود الحزب مؤسسة سياسية تؤطر المواطنين وتصنع النخب، بل يتحول إلى ما يشبه محطة موسمية لا تفتح أبوابها إلا حين تقترب الانتخابات. وحينها تتراجع الأفكار، وتعلو لغة الحسابات، ويصبح السؤال ليس: من الأقدر على خدمة الناس؟ بل: من يستطيع ضمان المقعد؟
الأخطر من ذلك أن بعض الهياكل التنظيمية قد تتحول إلى واجهات شكلية، تُعقد داخلها الاجتماعات وتُرفع شعارات الديمقراطية الداخلية، بينما تكون القرارات الحاسمة قد اتخذت خارجها. يصبح التشاور مجرد إجراء بروتوكولي، وتصبح أصوات المناضلين مجرد خلفية لقرارات لا يملكون التأثير الحقيقي فيها.
وهنا تكمن إحدى أخطر أزمات السياسة: عندما يفقد المناضل الإيمان بأن الكفاءة يمكن أن تقوده إلى المسؤولية، وأن الاجتهاد يمكن أن يكافأ، وأن العمل الميداني يمكن أن يكون طريقا نحو التمثيل، فإنه يبدأ في فقدان الثقة أولا في حزبه، ثم في العمل السياسي كله.
ولعل وضعية النساء داخل عدد من التنظيمات الحزبية تكشف جانبا آخر من هذا التناقض. فخطاب المناصفة والتمكين والمساواة أصبح حاضرا بقوة في المؤتمرات والندوات والبرامج، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يتعلق الأمر بمواقع القرار والتزكيات واللوائح الانتخابية.
عندها، قد تتحول المرأة من شريكة في صناعة القرار إلى مجرد واجهة تستحضر حين تكون الصورة مطلوبة، ثم يجري تهميشها عندما تبدأ عملية اقتسام النفوذ والمواقع.
وبين الخطاب والممارسة تتسع الهوة، فيظهر الحزب بمظهر حداثي أمام الجمهور، بينما تعيد بعض ممارساته إنتاج العقلية نفسها التي يدعي أنه تجاوزها.
فالإنصاف السياسي للنساء ليس هدية حزبية، ولا منحة تمنح لمن يرضى عنه هذا المسؤول أو ذاك، وإنما هو جزء من فلسفة المشاركة السياسية العادلة، ولا يمكن الحديث عن حزب تقدمي وحداثي إذا كانت المرأة مطالبة دائما بإثبات ولائها قبل إثبات كفاءتها، أو إذا كانت حقوقها مرتبطة بمزاج الأشخاص وموازين القوة داخل التنظيم.
إن المشكلة لا تتوقف عند حدود إقصاء شخص أو تهميش كفاءة، بل تمتد إلى إفساد معنى المنافسة السياسية نفسها. فعندما يصبح المال أقوى من البرنامج، والعلاقات أقوى من الاستحقاق، والولاء أهم من الكفاءة، فإن السياسة تفقد جوهرها حتى وإن ظلت كل الإجراءات تحمل غطاء قانونيا وتنظيميا.
فالفساد السياسي ليس بالضرورة أن يكون اختلاسا للمال العام. قد يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ عندما تُقتل تكافؤ الفرص، وتُكافأ المحاباة، ويُقصى المستحقون، وتصبح المؤسسات مجرد واجهات، وتُفرغ الديمقراطية الداخلية من مضمونها.
والنتيجة الطبيعية لهذا العبث هي مواطن أكثر عزوفا عن السياسة، وأكثر شكا في الأحزاب، وأقل اقتناعا بأن صناديق الاقتراع قادرة على تغيير واقعه.
فالمواطن الذي يرى أن المواقع تُحسم بعيدا عن الكفاءة والمشروع، لن يميز طويلا بين حزب وآخر، وقد ينتهي به الأمر إلى اعتبار السياسة كلها لعبة مغلقة لا مكان فيها إلا لأصحاب النفوذ.
وهنا تصبح الخسارة أكبر من خسارة حزب انتخابا أو مقعدا؛ إنها خسارة للثقة في المؤسسات، وإضعاف لفكرة المشاركة، وتكريس للعزوف السياسي.
إن السياسة لا يمكن أن تستعيد عافيتها بالشعارات وحدها، ولا بالمؤتمرات الفاخرة، ولا بصور القيادات وهي تتحدث عن الديمقراطية.
إن الطريق إلى الديمقراطية الحقة يبدأ من الداخل: من انتخابات حزبية حقيقية ، ومن شفافية في اختيار المرشحين، ومن معايير واضحة للتزكية، ومن احترام للكفاءة، ومن تمكين فعلي للنساء والشباب، ومن ربط المسؤولية بالمحاسبة.
الحزب الذي يريد أن يكون مؤسسة ديمقراطية عليه أن يثبت ذلك في ممارساته اليومية، لا في بياناته. والسياسي الذي يريد ثقة المواطن عليه أن يقدم مشروعا قبل أن يقدم نفسه، وأن يثبت جدارته بالعمل قبل أن يطالب بالمقعد.
فالمرأة ليست ديكورا انتخابيا، والمناضل ليس رقما في لائحة، والكفاءة ليست امتيازا قابلا للبيع، والتزكية ليست سلعة في سوق الانتخابات.
ولذلك، فإن مواجهة “التفاهة السياسية” ليست ترفا لغويا ولا تصفية حسابات، بل ضرورة لحماية ما تبقى من الثقة في العمل الحزبي. فإما أن تعود السياسة إلى معناها الحقيقي، باعتبارها خدمة عمومية ومسؤولية وأخلاقا ومشروعا مجتمعيا، وإما أن تستمر في الانحدار نحو مزيد من العبث، حيث يصبح الوصول إلى الكرسي أهم من سبب الجلوس عليه.
وعندها، لن تكون نهاية التفاهة السياسية مجرد خسارة انتخابية، بل قد تكون بداية نهاية الثقة في السياسة نفسها.




