“البام” في قلب العاصفة.. صدارة انتخابية و مأزق الأغلبية
“البام” في قلب العاصفة.. صدارة انتخابية و مأزق الأغلبية
عبدالله خباز
لم تكن نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 نهاية السباق السياسي، بل ربما كانت مجرد بداية للمرحلة الأكثر تعقيدا. فحزب الأصالة و المعاصرة تصدر نتائج الإقتراع بـ97 مقعدا، متقدما على باقي الأحزاب، غير أن هذا التقدم لا يمنحه أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا، بعدما بقيت أمامه مسافة 101 مقعد لبلوغ عتبة الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب. و هكذا، فإن الحزب الذي خرج أولا من صناديق الإقتراع يجد نفسه أمام اختبار سياسي مختلف تماما: كيف يحول صدارة إنتخابية إلى أغلبية حكومية قادرة على الإنسجام و الإستمرار؟
المعضلة لا تكمن في الحسابات العددية وحدها. فالأرقام قد تكون واضحة، لكن السياسة أكثر تعقيدا من مجرد عملية جمع للمقاعد. فكل حزب يدخل هذه المرحلة محملا بنتائج انتخابية، و مواقف معلنة، و قرارات صادرة عن مؤسساته، و التزامات تجاه قواعده و ناخبيه، فضلا عن حساباته المرتبطة بالمرحلة السياسية المقبلة. و لذلك، فإن أي تفاوض حول الأغلبية الحكومية لن يكون مجرد توزيع للمقاعد الوزارية، بل سيكون أيضا تفاوضا حول البرامج و الأولويات و طبيعة المرحلة المقبلة.
و في هذه المعادلة، يبدو حزب العدالة و التنمية الحلقة التي أصبحت ملامحها أكثر وضوحا. فقد اتجه الحزب، عقب الإنتخابات، نحو التموقع في المعارضة، و أكد عبد الإله بنكيران أن مشاركة الحزب في حكومة يقودها الأصالة و المعاصرة لا تبدو منطقية من وجهة نظره، بينما تحدثت قيادة الحزب عن معارضة وطنية مسؤولة و قوية. و مع ذلك، فإن الموقف السياسي للحزب يجب قراءته وفق القرارات الصادرة عن مؤسساته، و ليس وفق التأويلات أو التسريبات، خصوصا أن المسار الداخلي للحزب عرف تداولا مؤسساتيا حول الموقف النهائي.
و باستبعاد العدالة و التنمية من أي أغلبية محتملة، وفق الموقف المعلن حاليا، تصبح الحسابات أكثر تشعبا أمام “البام”. فالتجمع الوطني للأحرار حصل على 66 مقعدا، و الإستقلال على 65، و الحركة الشعبية على 29، و الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية على 26، و التقدم و الإشتراكية على 19، و الإتحاد الدستوري على 17، إلى جانب باقي المكونات البرلمانية. و هذه الخريطة تجعل الوصول إلى أغلبية 198 نائبا ممكنا حسابيا عبر أكثر من تركيبة، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة حول الإنسجام السياسي و البرنامجي لكل تركيبة.
و من هنا تبرز صعوبة المرحلة المقبلة: هل تتجه المشاورات نحو صيغة موسعة تضم عددا محدودا من الأحزاب ذات الوزن البرلماني الكبير؟ أم نحو أغلبية أوسع تضم أحزابا متعددة لتأمين هامش أكبر داخل مجلس النواب؟ و هل تعود بعض مكونات الأغلبية السابقة إلى الحكومة بصيغة جديدة، أم تكون نتائج الإنتخابات مدخلا لإعادة رسم الخريطة الحكومية؟ هذه كلها سيناريوهات مطروحة في النقاش السياسي، لكنها تظل في هذه المرحلة احتمالات لا قرارات نهائية.
الأكيد أن “البام” أمام لحظة سياسية دقيقة: الفوز بالمرتبة الأولى وضعه في موقع قيادة مسار تشكيل الحكومة، لكنه في الوقت نفسه وضعه أمام مسؤولية بناء أغلبية متماسكة. فالنجاح في الإنتخابات شيء، و القدرة على جمع حلفاء حول برنامج حكومي واحد شيء آخر. و كلما اتسعت دائرة الأحزاب المشاركة، إزدادت الحاجة إلى التوفيق بين البرامج و المواقف و المطالب، و كلما ضاقت، إرتفعت أهمية كل مقعد و كل تفاهم و كل قرار حزبي.
لذلك، فإن معركة المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة معركة “من سيشارك؟” فقط، و إنما “على أي أساس سيشارك؟”. البرامج، الأولويات الإجتماعية و الإقتصادية، توزيع المسؤوليات، و القدرة على ضمان الإنسجام داخل الأغلبية، كلها ملفات قد تجعل المفاوضات المقبلة اختبارا حقيقيا لكل الأطراف. و في المقابل، ستكون المعارضة، و في مقدمتها العدالة و التنمية وفق توجهه المعلن، مطالبة بتحويل حضورها البرلماني إلى ممارسة سياسية و رقابية مسؤولة.
و بين صدارة “البام” و رفض العدالة و التنمية المشاركة في حكومة يقودها الحزب، و بين حسابات الإستقلال و الأحرار و باقي القوى البرلمانية، يبدو المشهد السياسي المغربي أمام مرحلة مفتوحة على تفاوض واسع. و قد تكون الأرقام قد رسمت ملامح البرلمان الجديد، لكنها لم ترسم بعد الشكل النهائي للحكومة. فالطريق من صندوق الإقتراع إلى تشكيل الأغلبية يمر هذه المرة عبر مفاوضات دقيقة، و كل حزب يملك ورقته الخاصة، و كل قرار قد يعيد ترتيب الحسابات من جديد.
إنها، باختصار، لحظة سياسية يصبح فيها الفوز بالمرتبة الأولى بداية لمسؤولية أكبر، لا نهاية للمنافسة. و الإختبار الحقيقي أمام “البام” لن يكون في إثبات أنه الحزب الأول في نتائج الإنتخابات، و إنما في قدرته على تحويل هذه الصدارة إلى أغلبية حكومية قادرة على الإتفاق و العمل، في مشهد سياسي لا يبدو أن أبوابه قد أغلقت بعد، و لا أن سيناريوهاته حسمت بشكل نهائي.




