فرنسا على وقع الإحتجاجات الطلابية.. تصعيد ميداني و ضغوط متزايدة على الحكومة
عبدالله خباز –
تتواصل الإحتجاجات التلاميذية و الطلابية في فرنسا، وسط اتساع التحركات التضامنية بين تلاميذ الثانويات و طلاب الجامعات، و تصاعد المطالب الرامية إلى تحسين ظروف الدراسة و إصلاح اختلالات المنظومة التعليمية. و شهدت البلاد، الخميس 15 أكتوبر 2026، إستمرار التحركات في عدد من المؤسسات التعليمية، بالتزامن مع استعدادات لتنظيم مظاهرات جديدة يوم السبت، في وقت حذرت فيه الحكومة من احتمال تصاعد التوترات خلال الأيام المقبلة.
و عرفت التعبئة التي شهدتها فرنسا الثلاثاء 13 أكتوبر مشاركة واسعة، إذ قدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 161 ألفا و 500 شخص، بينما رفعت الجهات المنظمة تقديراتها إلى 480 ألفا. و شملت المظاهرات عددا من المدن، من بينها باريس و ليون و مرسيليا و رين، في مشهد عكس اتساع دائرة التضامن مع المطالب الطلابية، رغم التباين الكبير في تقديرات حجم المشاركة بين السلطات و المنظمين.
و لم تعد الإحتجاجات مقتصرة على تلاميذ الثانويات، بعدما انضم إليها طلاب جامعيون و مجموعات من مؤسسات التعليم العالي، في خطوة تعكس تنامي الإهتمام بالقضايا التي تطرحها الحركة. و شهدت بعض المؤسسات التعليمية عمليات إغلاق أو عرقلة للدراسة، فيما أفادت السلطات باستمرار التعبئة في نحو 200 ثانوية على المستوى الوطني. و يأتي هذا التطور في وقت يسعى فيه المحتجون إلى توسيع نطاق حركتهم و تعزيز التضامن بين مختلف فئات المجتمع التعليمي.
و تتمحور مطالب المحتجين حول تحسين ظروف الدراسة، و معالجة النقص في المدرسين، و ضمان تعويض الأساتذة المتغيبين، إلى جانب إصلاح البنايات المدرسية المتضررة و تخفيف الإكتظاظ داخل الفصول الدراسية. كما يطالب المشاركون بمراجعة نظام “باركورسوپ” المعتمد في تنظيم الولوج إلى التعليم العالي، و الذي يثير نقاشا بشأن شروط التوجيه الجامعي و تكافؤ الفرص. و تعكس هذه المطالب انشغالا متزايدا بمستقبل المدرسة العمومية و مدى قدرتها على توفير تعليم جيد يستجيب لانتظارات الأجيال الجديدة.
و في مواجهة هذه التحركات، أعلنت الحكومة الفرنسية إجراءات لتعزيز الموارد البشرية في المؤسسات التعليمية، من بينها توفير ثلاثة آلاف مدرس لتعويض الغياب، بينما أكد وزير التربية الوطنية إدوار جيفري أن مراجعة نظام الولوج إلى الجامعات ما تزال مطروحة، مع توقع الإعلان عن تدابير جديدة قبل نهاية أكتوبر الجاري. غير أن هذه الإجراءات لم تبدد الإحتجاجات، إذ يرى عدد من المشاركين أن معالجة الإختلالات القائمة تتطلب حلولا أوسع تتجاوز التدابير المعلنة، و تستجيب للمشكلات التي يواجهها التلاميذ و الطلاب بصورة يومية.
و على المستوى السياسي، أقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوجود مخاوف مشروعة لدى الشباب، محذرا في الوقت نفسه من استغلال الإحتجاجات لأهداف سياسية، وفق تصريحات نقلتها المتحدثة باسم الحكومة. من جهته، حذر رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الخميس، من احتمال وقوع اضطرابات خلال تحركات نهاية الأسبوع، معتبرا أن بعض الأحداث المسجلة تجاوزت حدود الإحتجاج السلمي. و تأتي هذه التصريحات في سياق توتر متزايد، يضع السلطات أمام تحدي الإستجابة للمطالب الإجتماعية و التعليمية مع الحفاظ على الأمن العام.
و شهدت بعض المظاهرات السابقة مواجهات بين محتجين و قوات الأمن، خصوصا في باريس و مدن أخرى، كما سجلت إصابات و توقيفات مرتبطة بالإحتجاجات. و في المقابل، إتسمت تحركات أخرى بالطابع السلمي، و هو ما يستدعي التمييز بين المشاركين الذين يعبرون عن مطالبهم بصورة سلمية، و الأشخاص المتورطين في أعمال عنف أو تخريب. و أعادت هذه الأحداث النقاش حول أساليب تدبير التجمعات الإحتجاجية و حدود استخدام القوة، في ظل استمرار التوتر بين السلطات و بعض المجموعات المشاركة في الحركة.
و تتجه الأنظار إلى السبت 17 أكتوبر، حيث ينتظر تنظيم تحركات جديدة تسعى الجهات الداعية إليها إلى توسيع نطاقها و ربط المطالب الطلابية باحتجاجات اجتماعية أوسع، بالتزامن مع إحياء ذكرى حركة “السترات الصفراء”. و بين استمرار التعبئة و مساعي الحكومة لاحتواء الأزمة، يبقى مستقبل الحركة مرتبطا بمدى الإستجابة للمطالب المطروحة، و نتائج المشاورات مع ممثلي التلاميذ و الطلاب، و طبيعة المشاركة في المظاهرات المقبلة، في وقت تعيد فيه هذه الإحتجاجات قضايا التعليم و مستقبل الشباب إلى صدارة النقاش العام في فرنسا.




