حلم بعد العصر… أحزابنا لا تكذب إنها فقط تؤجل الحقيقة إلى الولاية المقبلة !
يونس علالي –
في مشهد أقرب إلى الأحلام منه إلى الواقع، استيقظت المخيلة السياسية بعد قيلولة قصيرة لتعلن ميلاد أحزاب جديدة، لا تعرف موسمًا انتخابيًا ولا تؤمن بفلسفة “نلتقي كل خمس سنوات”. أحزاب قررت أن تجعل أبواب مقراتها مفتوحة طوال السنة، لا لاستقبال الكاميرات، بل لاستقبال المواطنين، والاستماع إلى شكاواهم، ومرافقتهم في البحث عن حلول حقيقية.
المفاجأة لم تتوقف عند هذا الحد، فقد تبين أن هذه الأحزاب تعتبر البرنامج الانتخابي عقدًا مع المواطن، لا منشورًا دعائيا ينتهي مفعوله بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع. لم تعد تكرر الأسطوانة المشروخة: الصحة، التعليم، التشغيل… ثم تعود بعد الفوز لتخبرنا أن “الظروف الدولية” و”الإكراهات” و”الموروث الثقيل” حالت دون التنفيذ.
في هذا الحلم الذي يشبه مفعول الهلوسة، المسؤولون ينزلون إلى الميدان دون موكب طويل أو عدسات تنتظر اللقطة المناسبة. يراقبون المستشفيات، وينصحون بأن العلاج يجب أن يكون للمرضى لا للميزانيات. يدخلون المدارس، فيجدون أن ترتيب التعليم عالميًا ليس مجرد رقم، بل مستقبل أجيال كاملة. أما البطالة، فلم تعد بندًا محفوظًا في الخطب، بل أزمة تتطلب قرارات جريئة واستثمارات منتجة.
والأغرب من كل ذلك أن شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة” خرج أخيرًا من إطار الخطب الرسمية، وتحول إلى ممارسة يومية. المسؤول الذي يفشل يغادر، والذي ينجح يستمر، دون حاجة إلى لجان لتفسير الفشل أو بلاغات لتبرير التقصير.
وبدأت النتائج تظهر. عاد المواطن يثق في جميع المؤسسات، وأصبح يشعر بأن كرامته أولوية وليست مادة للاستهلاك السياسي. فالدول العظمى لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات التي توقعها، بل بقدرتها على بناء إنسانها، لأن قوة الأوطان تبدأ من الداخل، أما التحالفات الخارجية فتتبدل بتبدل المصالح.
رن المنبه.
استيقظنا من غفوة تعب لنكتشف أن كل ما سبق كان مجرد حلم بعد العصر. أما الواقع، فما زال يحتفظ بالأحزاب نفسها، والوعود نفسها، والبرامج نفسها، وحتى الأعذار نفسها… وكأن الزمن عندنا توقف، بينما العالم يواصل الركض بسرعة الضوء.




