عاجل
أنشطة ملكية

حركة أخنوش في حضرة الملك تثير التساؤلات.. حين يتحول البروتوكول إلى رسالة سياسية

عبد الحق منار | | قراءة 5 د | 52 مشاهدة

رشيد بوريشة –

لم يكن افتتاح الدورة البرلمانية مجرد مناسبة دستورية لإلقاء خطاب ملكي واستعراض الأولويات السياسية والمؤسساتية للمرحلة المقبلة، بل تحول، في جانب من التفاعل معه، إلى نقاش حول سلوك رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بعدما ظهر جالساً واضعاً إحدى رجليه فوق الأخرى أثناء الاستماع إلى الخطاب الملكي، في مشهد أثار تساؤلات بشأن مدى احترام الأعراف البروتوكولية التي تحكم مثل هذه المناسبات الرسمية.

وبغض النظر عن اختلاف القراءات بشأن هذه الحركة، فإن الواقعة تستحق التوقف عندها، ليس من باب تضخيم التفاصيل الشكلية، وإنما بالنظر إلى رمزية الموقع الذي يشغله رئيس الحكومة، وطبيعة المناسبة التي ظهر خلالها، وما تفرضه من انضباط في السلوك ومراعاة لمقتضيات الاحترام المؤسسي.

فحضور رئيس الحكومة في افتتاح البرلمان، تحت رئاسة الملك، لا يمثل مجرد مشاركة بروتوكولية عابرة، بل يعكس موقع السلطة التنفيذية داخل البنية الدستورية للمملكة، ويضع المسؤول الحكومي الأول أمام مسؤولية مضاعفة في تمثيل مؤسسات الدولة والتقيد بالأعراف التي تواكب المناسبات ذات الطابع السيادي.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى وضعية الجلوس التي ظهر بها أخنوش باعتبارها تصرفاً لا ينسجم مع الصورة المنتظرة من رئيس حكومة يستمع إلى خطاب ملكي في مناسبة رسمية بالغة الأهمية. فالمسألة هنا تتجاوز حركة جسدية في حد ذاتها إلى ما يمكن أن تحمله من دلالات رمزية، خصوصاً عندما تصدر عن شخصية تتولى مسؤولية سياسية ودستورية بهذا الحجم.

ومع ذلك، فإن إصدار حكم قاطع بوجود تعمد للإساءة إلى الملك أو تحدي المؤسسة الملكية يظل أمراً يحتاج إلى أدلة تتجاوز مجرد صورة أو لقطة عابرة. فالتمييز بين مخالفة الأعراف البروتوكولية وبين القصد السياسي مسألة ضرورية، حتى لا يتحول التحليل إلى استنتاجات غير مثبتة. لكن غياب الدليل على النية لا يلغي حق الرأي العام في مناقشة مدى ملاءمة السلوك الصادر عن مسؤول عمومي في مقام رسمي.

في السياق السياسي الراهن، قد يربط بعض المتابعين هذه الواقعة بما يحيط بمستقبل أخنوش الحزبي والحكومي، وبما يرافق نهاية الولايات الحكومية من إعادة ترتيب للتحالفات وموازين النفوذ. ومن الطبيعي أن تثير مثل هذه الخلفيات تساؤلات حول الحالة السياسية والنفسية للمسؤولين الذين يجدون أنفسهم أمام مرحلة انتقالية قد تعيد رسم مواقعهم داخل المشهد العام.

غير أن تحويل هذه الفرضيات إلى حقائق يبقى أمراً غير مبرر ما لم تدعمها معطيات واضحة. فلا يمكن الجزم بأن حركة أخنوش كانت احتجاجاً مبطناً، أو تعبيراً عن استياء من تحولات سياسية محتملة، كما لا يمكن استبعاد احتمال أن تكون حركة عفوية لم يستحضر صاحبها ما قد تثيره من تأويلات.

لكن ما يزيد من حساسية المشهد هو أن رئيس الحكومة ليس مواطناً يجلس في فضاء عام، وإنما مسؤول يفترض أن يدرك أن سلوكه في المناسبات الرسمية يخضع لقراءة سياسية وإعلامية تتناسب مع موقعه. فكل حركة تصدر عنه، ولا سيما في حضرة الملك وأمام ممثلي الأمة، يمكن أن تتحول إلى موضوع للنقاش حول الانضباط السياسي واللياقة المؤسساتية.

إن احترام الملك في المناسبات الرسمية لا ينبغي اختزاله في مظاهر شكلية أو في حسابات الولاء السياسي، بل يرتبط أيضاً باحترام قواعد العمل المؤسساتي والأعراف التي تنظم العلاقة بين مختلف السلطات. ومن يتولى رئاسة الحكومة يتحمل، بحكم موقعه، مسؤولية خاصة في تقديم صورة منضبطة عن المؤسسة التي يمثلها.

ومن هنا، فإن ما أثار الانتباه في مشهد أخنوش ليس مجرد وضعية جلوس في حد ذاتها، بل التناقض المحتمل بين رمزية المناسبة والسلوك الذي ظهر أمام الرأي العام. فالمسؤولية تقتضي من كبار المسؤولين استحضار طبيعة المقام، خصوصاً حين يتعلق الأمر بخطاب ملكي يفتتح إحدى المحطات الدستورية الأساسية في البلاد.

وفي المقابل، ينبغي ألا يسمح الجدل حول هذه الحركة بحجب مضمون الخطاب الملكي نفسه، بما يتضمنه من توجهات ورسائل موجهة إلى المؤسسات والفاعلين السياسيين والإداريين. فالمهم في افتتاح البرلمان ليس فقط ما يقع في الصفوف الأمامية، بل أيضاً ما يترتب عن التوجيهات الملكية من التزامات عملية، وما إذا كانت الحكومة والبرلمان والإدارة قادرين على تحويلها إلى سياسات ونتائج ملموسة.

تكشف هذه الواقعة، في نهاية المطاف، عن جانب من طبيعة الحياة السياسية المغربية، حيث قد تتحول التفاصيل البروتوكولية إلى مؤشرات يقرأها الرأي العام في ضوء التحولات التي يعرفها المشهد الحزبي والمؤسساتي. غير أن القراءة الرصينة تقتضي الجمع بين مساءلة السلوك الرسمي، وعدم التسرع في نسبة نيات غير مثبتة إلى أصحابه.

فإذا كان المشهد قد أثار انتقادات بشأن احترام الأعراف المرتبطة بحضور الملك، فإن التقييم السياسي الأعمق لأداء أخنوش سيظل مرتبطاً أيضاً بحصيلته الحكومية، ومدى وفائه بالالتزامات التي قدمها للمغاربة، وطريقة تدبيره للمسؤولية العمومية خلال سنوات توليه رئاسة الحكومة.

ذلك أن هيبة المؤسسات لا تصان بالصور وحدها، كما أن احترام المقامات الرسمية لا يعفي المسؤولين من المحاسبة على أدائهم. وبين الأمرين، يبقى المعيار الحقيقي هو مدى الالتزام بالقواعد، واحترام رمزية الدولة، وتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية أمام المواطنين.

" "
بقلم

عبد الحق منار

أضف تعليقا