اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين.. دعوة أممية لحماية حرية الصحافة ومحاسبة الجناة
يونس علالي –
يخلّد العالم، في الثاني من نونبر من كل سنة، اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، وهي مناسبة أممية تهدف إلى تسليط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجه العاملين في المجال الإعلامي، والتأكيد على ضرورة وضع حد للاعتداءات والانتهاكات التي تستهدفهم، وضمان محاسبة المسؤولين عنها.
وتأتي هذه المناسبة، التي أعلنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم 68/163، في سياق دولي يتسم بتصاعد التهديدات التي تواجه الصحفيين، خصوصاً في مناطق النزاعات المسلحة، حيث باتت التغطية الإعلامية المستقلة محفوفة بمخاطر متزايدة، في ظل استمرار عمليات القتل والاختطاف والاعتقال التعسفي والترهيب، فضلاً عن حملات المضايقة والتشهير التي تستهدف الصحفيين، سواء في الواقع أو عبر الفضاء الرقمي.
وحسب المعطيات الواردة في تقرير اليونسكو لسنة 2026 بشأن سلامة الصحفيين وخطر الإفلات من العقاب، فقد شهدت الفترة الممتدة بين 2024 و2025 مقتل 189 صحفياً أثناء أداء مهامهم المهنية، بزيادة بلغت 20 في المائة مقارنة بالفترة السابقة. كما لا تزال 86 في المائة من قضايا قتل الصحفيين المسجلة منذ سنة 2006 دون حل أو متابعة قضائية كافية، وهو ما يعكس حجم التحديات المرتبطة بتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا.
وتشير الأرقام ذاتها إلى أن ثلثي عمليات قتل الصحفيين خلال الفترة المذكورة وقعت في سياق النزاعات المسلحة، فيما ارتبطت الطائرات المسيّرة بنحو 40 في المائة من هذه الحالات. كما سجلت الفترة نفسها مقتل 14 صحفية، جميعهن في مناطق النزاع باستثناء حالة واحدة.
وفي السياق ذاته، تكشف معطيات اليونسكو أن منطقة الدول العربية سجلت أعلى عدد من حالات قتل الصحفيين، الأمر الذي يسلط الضوء على حجم المخاطر التي تواجه الإعلاميين في المنطقة، خصوصاً في ظل الحروب والأزمات الإنسانية والسياسية.
وأكدت الأمم المتحدة أن الإفلات من العقاب لا يقتصر تأثيره على الصحفيين الضحايا وأسرهم، بل يمتد ليهدد حق المجتمعات في الوصول إلى المعلومات، ويقوض حرية التعبير، ويحد من قدرة الصحافة على أداء دورها الرقابي في كشف الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان والجرائم.
كما تواجه الصحفيات تحديات إضافية، خاصة في الفضاء الرقمي، حيث أظهرت دراسة لليونسكو أن 73 في المائة من الصحفيات المشاركات في استطلاع حول العنف الإلكتروني تعرضن للتهديد أو الترهيب أو الإهانة بسبب عملهن المهني، ما يعكس اتساع دائرة الاعتداءات التي تستهدف حرية العمل الصحفي.
ومن أجل مواجهة هذه التحديات، وضعت الأمم المتحدة خطة عمل بشأن سلامة الصحفيين ومسألة الإفلات من العقاب، باعتبارها أول مبادرة أممية متكاملة تروم التصدي للاعتداءات المرتكبة ضد الإعلاميين، من خلال إشراك المؤسسات الدولية والحكومات الوطنية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني.
وقد ساهمت هذه الخطة في تعزيز حضور قضية حماية الصحفيين داخل منظومة الأمم المتحدة، وتشجيع إحداث آليات وطنية للسلامة في ما لا يقل عن 50 دولة، فضلاً عن الدفع نحو تطوير الأطر القانونية والمؤسساتية الكفيلة بتوفير بيئة آمنة ومستقلة لممارسة العمل الصحفي.
وتشهد نسخة هذه السنة تنظيم فعالية دولية يوم 2 نونبر 2026، تتضمن إطلاق تقرير المديرة العامة لليونسكو حول واقع الإفلات من العقاب على المستويين العالمي والإقليمي، على أن يتواصل البرنامج يوم 3 نونبر من خلال حوار بشأن السياسات المتعلقة بسلامة الصحفيين، واجتماع يضم مختلف الائتلافات الرسمية وغير الرسمية لبحث سبل تعزيز تنفيذ خطة عمل الأمم المتحدة.
ويعود اختيار الثاني من نونبر لإحياء هذه المناسبة إلى اغتيال صحفيين فرنسيين في مالي في التاريخ نفسه سنة 2013، في حادثة شكلت دافعاً إضافياً لتعزيز الجهود الدولية الرامية إلى حماية الصحفيين ومناهضة العنف الممارس ضدهم.
وتشكل هذه الذكرى محطة لتجديد الدعوة إلى الحكومات والمؤسسات القضائية والهيئات الحقوقية والإعلامية من أجل تعزيز حماية الصحفيين، وضمان إجراء تحقيقات جدية ومستقلة في الجرائم المرتكبة بحقهم، وتقديم المتورطين فيها إلى العدالة.
فحماية الصحفيين ليست مجرد التزام مهني أو حقوقي، بل هي حماية لحق المجتمعات في المعرفة، وصون للحقيقة، وترسيخ لحرية التعبير باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي.




