احتجاج شغيلة التعليم الأولي حين تتحول الوعود إلى أزمة ثقة ويصبح الإنصاف مطلباً مؤجلاً
احتجاج شغيلة التعليم الأولي حين تتحول الوعود إلى أزمة ثقة ويصبح الإنصاف مطلباً مؤجلاً
زهير بلعاليا
تستعد شغيلة التعليم الأولي لخوض وقفة احتجاجية وطنية أمام مقر البرلمان بالرباط، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، في خطوة تصعيدية تعكس اتساع دائرة الاحتقان داخل قطاع يفترض أن يشكل حجر الأساس في بناء المدرسة العمومية، لكنه ما يزال يواجه اختلالات مرتبطة بالأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين فيه.
ولا يبدو هذا الاحتجاج مجرد محطة نضالية عابرة، بقدر ما يعكس أزمة أعمق تتجاوز المطالب الفئوية إلى مساءلة طريقة تدبير أحد أكثر مستويات التعليم حساسية وأهمية. فالتعليم الأولي ليس مرحلة هامشية في المنظومة التربوية، بل هو المدخل الأساسي لتكافؤ الفرص والحد من الفوارق التعليمية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل أوضاع العاملين فيه جزءاً لا يتجزأ من جودة المدرسة العمومية ومستقبلها.
إصلاح تربوي بخطاب طموح وواقع مهني مأزوم
تكشف مطالب المحتجين عن مفارقة تستحق الوقوف عندها: كيف يمكن الرهان على تطوير التعليم الأولي وتحسين مردوديته، في الوقت الذي لا تزال فيه قضايا الاستقرار المهني والإنصاف الاجتماعي والتعويض عن المهام الإضافية محل خلاف واحتجاج؟
فالإصلاح التربوي لا يتحقق بمجرد إطلاق البرامج أو توسيع العرض التعليمي، وإنما يحتاج إلى موارد بشرية مستقرة، تتمتع بحقوق واضحة وظروف عمل منصفة. أما تحميل العاملين مسؤوليات متزايدة دون معالجة الاختلالات المرتبطة بوضعيتهم المهنية، فيهدد بتحويل الإصلاح إلى مشروع ناقص، مهما كانت أهدافه المعلنة طموحة.
وتزداد حدة هذه المفارقة عندما يتعلق الأمر بمهام إضافية وتكوينات مبرمجة خلال فترات العطل، إلى جانب العمليات المرتبطة بمنظومة «مسار». فهذه الالتزامات، بحسب ما يثيره المحتجون، تطرح أسئلة مشروعة بشأن حدود المسؤوليات المهنية، ومدى ملاءمة الأعباء المفروضة مع الحقوق والتعويضات المستحقة.
بين الشعارات الرسمية ومطلب الكرامة المهنية
إن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في تفاصيل الملفات المطلبية، بل في غياب معالجة شاملة تعيد بناء الثقة بين الشغيلة والجهات المسؤولة عن تدبير القطاع. فحين تتراكم المطالب دون أجوبة واضحة، تتحول الحوارات إلى محطات لامتصاص الاحتقان بدل أن تكون آلية لإنتاج حلول عملية وقابلة للتنفيذ.
ومن هنا، فإن الاكتفاء بالتعامل مع الاحتجاجات باعتبارها تحركات ظرفية لن يساهم في معالجة جذور الأزمة. المطلوب هو فتح نقاش جدي بشأن الوضعية المهنية والاجتماعية للعاملين في التعليم الأولي، وتحديد المسؤوليات بدقة، ووضع جدول زمني واضح للاستجابة للمطالب المشروعة، بعيداً عن الوعود العامة أو المقاربات التي تؤجج الخلاف.




